تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلمات نؤيدها بالدليل حين ننتقل إلى مرحلة التطبيق، ونقدم أول مثال: دعي الموسيقار العظيم فرانز لست إلى حفل من تلك الحفلات الخاصة، التي كانت تزخر بها الصالونات الباريسية، ويدعى إليها جمهور خاص من الطبقة الأرستقراطية التي كانت تعشق فيما تعشق من متع الحياة أنغام الخالدين؛ وحين نهض لست ليأخذ مكانه من البيانو، طلب إليه المدعوون أن يعزف شيئا من آثار بتهوفن، وشيئا من آثار ذلك العبقري الآخر الذي كان يجلس بين الصفوف في انتظار العزف، صديقه فردريك شوبان. ومن المعروف عن لست أنه كان يجمع إلى موهبته الفذة في التأليف الموسيقى، موهبة أخرى لا يختلف في تقديرها النقاد، وهي أنه كان أقدر القادرين على عزف موسيقى بتهوفن خاصة، وموسيقى غيره من أقطاب النغم على العموم.

وحين انتهى لست من عزف مقطوعة «ألا داجيو» من سوناتة «دودييز مينير» لبتهوفن، أقبل عليه المدعوون وفي مقدمتهم شوبان، ليثنوا بمشاعرهم التي أغرقها في فيض الذهول سحر النغم، على تلك القدرة الفائقة التي أعادت إلى الأذهان صورة حية من صور بتهوفن الخالد. ومرة أخرى طلب الحاضرون إلى لست، أن يعزف لهم مقطوعة خاصة من مقطوعات «البريلود» لشوبان، وكانت مقطوعة يعتز بها الموسيقار البولوني ويعتز بها الفن؛ لأنها قطعة من نفسه الشاعرة في فترة من فترات ألمه النبيل، ذلك الذي طالما تحدث عنه إلى الناس في أنغام، وعندما فرغ لست من عزف المقطوعة ظهر عدم الارتياح على وجه شوبان؛ إن لست لم يخرج على أصول النوتة، ولم تخنه المقدرة على العزف في يوم من الأيام، ولم يستطع صديقه صاحب «البريلود» أن ينكر هذا عليه، ولكن؛ ولكن كان هناك شيء ناقص أحسه شوبان ولم يحسه أحد سواه، إلا حين نهض ليأخذ مكان لست من البيانو ويبدأ عزف المقطوعة من جديد.

لقد لمس الحاضرون أن هناك فارقا ملحوظا بين الأنغام، حين انطلقت في المرة الثانية من بين أنامل شوبان، ولقد كانت «مشاعرهم» هي المرصد الدقيق لتسجيل الفارق الفني هنا وهناك، حتى لقد أقبل لست على صديقه يعانقه ويقبله ويقول له: حقا يا عزيزي شوبان إن اللحن قد خرج من بين يديك وهو شيء آخر؛ لقد بعثت فيه من روحك لأنه قطعة من حياتك أنت.

هذا هو الأثر الفني بين الفهم والتذوق حين يتمثل في مقطوعة موسيقية، لقد كان الفارق الملموس بين لست وشوبان، هو الفارق بين من «فهم» اللحن بعقله حين نقله عن أصول النوتة، وبين من «تذوق» اللحن بشعوره حين نقله عن حديث الوجدان، ومن هنا بدت مقطوعة «البريلود» عند لست جسدا جميلا بغير روح، وبدت عند شوبان جسدا يفوق الأول جمالا؛ لأن فيه الروح الذي يضفي على الفن كل معنى من معاني الحياة.

هنا، في هذا المثال، مفرق الطريق بين أسلوبين في تقديم الأثر الفني إلى الجماهير: أسلوب يعتمد على الذهن «الفاهم»، وأسلوب يعتمد على الشعور «الذواق»، أو قل إنه اختلاف بين طبيعتين: طبيعة تتلقى الإثارة عن طريق الحس، وطبيعة تتلقى الإثارة عن طريق النفس، أو قل مرة أخرى إنه اختلاف بين مزاجين: مزاج يحلق بالتجربة المادية في آفاق الفكر، ومزاج يحلق بالتجربة النفسية في آفاق الشعور ...

وإنه لذلك الاختلاف الذي تبرزه الفوارق الدقيقة بين فنان تذوق الحياة منعكسة على الذات الشاعرة، وبين فنان فهم تلك الحياة منعكسة على الورقة الناقلة؛ ونعني بها النوتة الموسيقية التي نقل عنها لست فترة من حياة صديقه نقلا ذهنيا لا حرارة فيه.

اقرأ قصة «أم» لفرانسو مورياك، إنها قصة لا تطالعك بتلك الطاقة التحليلية الضخمة، التي تطالعك بها آثار كاتب مثل بلزاك أو دستوفسكي أو ستندال، ولا بذلك الفهم الواسع الذي يحيط بصور الحياة، ليفرغها بعد ذلك في إطار؛ ليس فيها شيء من هذا الذي أشرنا إليه، ولكن فيها الفنان الذي يعيش في موضوع قصته، ويتمثل التجربة تمثلا شعوريا لا غلو فيه، ويتذوق الحياة في لحظاتها النفسية النادرة، التي لا يفطن إليها غير أصحاب الوعي العميق.

كلمات في الأدب · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٧