مثل هذه الملاحظة الفكرية بما فيها من انبثاقات التفتح العقلي الراصد، لا يمكن أن تتلاءم بحال مع الواقع العمري والثقافي لتلميذ، كان يعبر المرحلة الأولى من مراحل التعليم؛ ذلك لأننا هنا أمام نقدية مستكشفة لمضمون إنساني مزيف في قصة «زينب»، وأمام إفرازات نفسية منعكسة من امتصاص شعوري مرسب لتجربة القرية. وكل هذه المنعطفات الاتجاهية المصطنعة، مردها إلى سيطرة الدافع الأيديولوجي على ذهن المؤلف، ثم إلى الخطأ الرئيسي في التكنيك حين تمت عملية السرد الروائي، كما سبق أن قلت، من زاوية الضمير الأول، أو حين تركزت في بؤرة «الأنا» كأشعة مضمونية مقحمة على تجارب الآخرين!
ولا أعرف مفهوما محددا لعملية التطوير، كوضع من الأوضاع الفنية بالنسبة إلى الوعي الروائي للمؤلف؛ هل هو أن يبدأ الحدث بوصول «الهجانة» إلى القرية ليلزم الفلاحون بيوتهم من المغرب، وليلهب الشاويش عبد الله ظهورهم بكرباجه الطويل، ويشيع في نفوسهم وينشر في طريقه الإرهاب، ثم يتحول الحدث إلى موقف، يبدو من خلاله الشاويش عبد الله وهو يتطور نفسيا - بلا مقدمات - في اتجاه إنساني صاعد، حتى يتقوقع في التجربة الجماعية للقطيع التعس، وحتى يبلغ التطوير حد التزوير، فينهال بكرباجه على ظهر «المأمور»، وهو يحاسبه على إهماله في تأديب الفلاحين؟! إن المؤلف حقا لا يعرف قصة هؤلاء الذين يتحدث عنهم، لا يعرف قصة الأبعاد النفسية للهجانة من خلال نموذج بشري يمثل هذه الأبعاد وهو الشاويش عبد الله؛ ومن هنا كانت هذه المغالاة، التي تتحول معها أيديولوجية الواقع إلى ما يشبه خيالية الأسطورة. إن الروائي يجب أن يكون على معرفة تامة بالتركيبة النفسية لشخصياته، حتى يستطيع - بمجموعة من الخطوط الحاسمة - أن يهيئ عنصر التبرير الموضوعي للحركة الخارجية، وهي مرتبطة - كمسلك انعكاسي ممتد - بحركة الوجود الداخلي لهذه الشخصيات.
لا أعرف للمؤلف مفهوما محددا لعملية التطوير كما قلت؛ لأننا - وعلى سبيل المثال لا الحصر - أمام حدث آخر نرى من أبطاله «العمدة»، وهو يوزع شفويا أوامر الحكومة على خفراء القرية، ويطلب إليهم أن يشددوا المراقبة على الفلاحين الذين يسرقون المياه، وأن يقبضوا على كل مخالف للأوامر وهو متلبس بجريمة السرقة. ومرة أخرى يتحول الحدث إلى موقف، يبدو من خلاله الخفير عبد العاطي وهو يتطور أيضا بنفس الطريقة، ويتقوقع بنفس الأسلوب، وإذا هو يقف من زملائه في مركز القيادة الثورية على العمدة، لتحوله إلى أداة تنفيذ ذليلة في يد الحكومة ... ولكن عبد العاطي الثائر يختلف في نهاية التطوير عن الشاويش عبد الله الثائر: إنه هنا لم يحاول مطلقا أن يعترض على العمدة، وهو يأمره بأن يحضر له العصا من داخل البيت، ولا هو يأمره بأن ينام على الأرض كعبد ذليل، ولا هو ينهال عليه بالضرب المبرح حتى تتعب يداه ... ومعذرة لأنني نسيت أن عبد العاطي قد اعترض مرة واحدة بأن النوم على الأرض - وهي مبللة - سينتج عنه أن تتسخ بدلة الحكومة!
لا أدري إن كان المؤلف قد عني بتقديم موقف إنساني جاد على طريقة الكتاب الروائيين بحق، أم أنه كان منصرفا إلى عرض مشاهد هزلية مضحكة على طريقة كتاب «الصالات» في مصر! إننا بعد هذا أمام موقف روائي ثالث، يدور في نفس الفلك الكوميدي الهازل: لا مناص قبل تطوير الموقف من تخطيط الحدث، والحدث في هذه النقلة التخطيطية الجديدة يبدأ بموت العمدة، ثم بإقامة سرادق العزاء، ثم بإقبال وفود المعزين: الأعيان ورجال الحكومة في الإقليم وعلى رأسهم المأمور. وتبدأ علمية التطوير الموقفي داخل السرادق؛ هؤلاء المكافحون من أهل القرية ينتمون شعوريا إلى حزب الوفد، حزب القيادة الشعبية في ذلك الحين، أما المأمور ورجاله فينتمون شعوريا ورسميا إلى حزب الشعب، وهو حزب الأقلية الحاكمة بزعامة صدقي؛ والقرية تريد أن تنتهز المناسبة لتعبر عن شعورها الحاقد المكبوت، بالثورة السلبية التي تتنفس من خلال سلوك لفظي ساخر، وعندما يحس الشيخ إبراهيم مقرئ السرادق بقدوم رجال الحكومة، يبدأ في تلاوة آية جديدة ليوجه مضمونها اللفظي إلى المأمور، هي: