والواقعية في «الأرض» سواء أكانت واقعية حدث أو واقعية موقف، كثيرا ما تتسم بالمغالاة التي تنتج حينا من ضعف الرؤية القصصية لمجرى الخط الانسيابي لحركات الشخوص، وتنتج حينا آخر عن فرض أيديولوجية مزورة على المضمون الاتجاهي لعناصر التطوير؛ لقد انفرد المؤلف ذات مساء وتحت جميزة عبد الهادي بوصيفة، وكانت هي الفائرة الواعية بنت السابعة عشرة، مهيأة الشعور والجسد للحظة جنسية مشتهاة، لم يهيأ لها بحكم عمره الفتى الصغير الحالم ابن الثانية عشرة. وهتف هو في صوت حنون هامس وقد أحاط خصرها بذراعيه: «يا غرامي؛ أحبك.» وفتحت هي عينيها المكحولتين في دهشة بالغة لتقول له: «يا اختي بلا وكسة! انت تتكلم كده ليه يا اخويا؟ والنبي ما انا فاهمة منك حاجتن تخلق، أصل أنا ما اعرفش الكلام الإنكليزي اللي انت بتقوله ده!» من يصدق أن وصيفة إن مادية الإحساس «الواعية» التي استمدت وعيها من اختلاطها الطويل بخضرة الساقطة، ومن السنوات الخمس التي قضتها في عاصمة الإقليم مع أختها المتزوجة، لا تعرف معنى كلمة «غرامي» وكلمة «أحبك»؛ حتى لتبدو لنا من خلال الرؤية القصصية عند المؤلف وكأنها تسمع - ولأول مرة - كلاما «إنجليزيا» لا معنى له؟!
ومع ذلك نمضي مع المؤلف إلى نهاية الموقف؛ لقد أغراها بزجاجة عطر لتلاقيه في الظلام، وعندما سألته عنها اعتذر بالنسيان ثم منحها «بريزة»، أو قطعة من ذات العشرة قروش؛ وهنا أوشكت وصيفة أن تطير من الفرح، وتهيأت تماما لتلك اللحظة الجنسية المشتهاة: راحت تجذبه إليها في عنف، وتوقعه معها على الأرض، وتسأله ماذا يصنع مع فتيات مصر، وكيف يصنعن مع الرجال، ثم تلف جسده بذراعيها وتضع خدها على رأسه، وهي تقول له: «مش بنات مصر بيعملوا كده؟» ومع ذلك، ومع كل هذا الإغراء الذي زلزل كيان الفتى الصغير، فإنه لم يستجب لما كانت تدعوه إليه وصيفة، لم يستجب لا لأنه تبعا لمنطق الواقع، ولحكم تكوينه الجسدي كان عاجزا عن أن يستجيب، ولكن لأن المؤلف «اليوم» بعد أن تجاوز الثلاثين، قد خلع على نفسه «بالأمس» وهو لم يتجاوز الثانية عشرة، ثوبا من الوعي الإنساني والاجتماعي تنسج خيوطه المتنافرة مثل هذه التجربة النفسية: «ولم أجب أمام المفاجأة، وأخذت أفكر فيما صنعت قروشي بوصيفة، وبدأ اللوم يزحف إلى قلبي؛ لأنني أعطيت وصيفة نقودا، وخيل إلي أنني اشتريت منها لحظات سعيدة، وكأنما أنا واحد من الذين يخدعون الفتيات الفقيرات بالمال. وغاظني هذا التصور فنحيت وصيفة بعيدا، وأوشكت أن أصرخ في وجهها بما في نفسي، بينما كانت صور النار والفاحشة وشراء فتاة فقيرة، تملأ مني القلب بالندم وترهق إحساسي بالعار!» وهكذا في سبيل نوع من الأيديولوجية المزورة، تنحرف التجربة الداخلية تحت قوة الدفع الخارجي عن المجرى الروائي الممتد، لتتم عملية تطوير معينة لا تترتب تلقائيا على فسيولوجية الحدث كبعد موضوعي خاص!
هذه الأيديولوجية؛ أيديولوجية الفن لواقع الحياة، وهي في مثل تلك الصورة المهزومة التي يعرضها المؤلف، تواجهنا في مواقف أخرى نقتطع واحدا منها لفتى الأمس الصغير، وهو يستعير وعي التجربة من إنسان آخر، يكبره اليوم بعشرين عاما على الأقل أو يزيد! لقد كان هذا الفتى الصغير - ابن الثانية عشرة - يسترجع من خلال صراع القرية ضد مختلف القوى المسيطرة، ما قرأ في الصيف من كتب الأدب، يسترجع «زينب» لهيكل، و«إبراهيم الكاتب» للمازني، و«الأيام» لطه حسين، ليخرج أخيرا بمثل هذه الملاحظة الفكرية الواعية: «وتمنيت لو أن قريتي كانت هي الأخرى بلا متاعب، كالقرية التي عاشت فيها «زينب»، الفلاحون فيها لا يتشاجرون على الماء، والحكومة لا تحرمهم من الري، ولا تحاول أن تنتزع منهم الأرض، أو ترسل إليهم رجالا بملابس صفراء يضربونهم بالكرابيج، والأطفال فيها لا يأكلون الطين ولا يحط الذباب على عيونهم الحلوة. وتمنيت لو أن قريتي كانت هي الأخرى كقرية «زينب»، لا ينزل فيها من الرجال والنساء بعد البول دم وصديد، ولا يدهم أهلها المرض المفاجئ في جنوبهم فيتلوى الإنسان منهم لحظة، ويطلق صرخات يائسة فاجعة من حدة الألم، ثم يسكت؛ يسكت إلى الأبد!»