تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانظر إلى حمارك ...

وتنطلق الضحكات هنا وهناك، وتشيع التعليقات الساخرة، وترتسم علامات التشفي على مختلف الوجوه، وتتركز النظرات على شخص واحد كان هو المقصود بالآية، كلما تعمد المقرئ أن يعيد تلاوتها من جديد ... وأخيرا ينفجر المأمور في صوت المغيظ المحنق: «صدق الله العظيم؛ طيب يا أخي ما تقرأ آية وحشرناهم يوم القيامة وفدا! طيب يا بلد، مش انتو بتوع يحيا الوفد!» ويعقب أحد الفلاحين في سخرية: «شوف شوف؛ وانظر الى حمارك؛ بس يا بتاع وانظر الى حمارك!» ليسمح لي مؤلف «الأرض» والناقد الذي دافع عن أصالة العمل الروائي في «الأرض»، أن أقول لهما دون أي تجن أو مغالاة: إنني أشتم هنا رائحة المؤلف المصري في برامجه الهزلية التي يقدمها لرواد الصالات!

إنها تجربة شمية على حد تعبير الأستاذ الناقد. ونحن ما زلنا في حدود هذه التجربة عندما نرى عبد الهادي وعلواني على الجسر، يتحدثان عن الأيام السود التي عرفتها القرية في عهد حكومة صدقي - وكأن القرية المصرية في نظر المؤلف قد عرفت الأيام المضيئة في ظل العهود الأخرى السابقة - ويستعرضان حالهما وأحوال الآخرين، حين مر عليهما مهندس من الري ومعه أحد أتباعه، ليسألهما عن سر هذا الحديث الذي خيل إليه أنه خاص بسرقة المياه؛ لقد تصدى له علواني ليطلعه على حقيقة الموقف، بمثل هذه البهلوانية اللفظية: «لا والنبي يا جناب الباشمهندس؛ وحياة مقامك ورقبتك؛ والله ما في حاجة من دي أبدا يا حضرة الهندزة؛ واحنا أصلنا قاعدين هنا كده يعني؛ أصل الحكاية يا حضرة الحكومة ...» علواني هذا الذي أضفى عليه المؤلف صفة الوعي، فعرف أن الشخص الذي يخاطبه هو «جناب الباشمهندس»، كيف تجرد فجأة من هذه الصفة فأصبح هذا الشخص مرة وهو «حضرة الهندزة»، ومرة أخرى وهو «حضرة الحكومة»؟ إننا هنا كما كنا من قبل نصطدم بواقعية لفظية مزيفة، نتيجة لضعف الرؤية القصصية لمجرى الخط الانسيابي لحركات الشخوص.

والمؤلف يقدم إلينا أحيانا مفاتيح مواقف؛ بلا مواقف! لقد كانت القرية كلها تتحدث يوما عن الإهانة، التي ألحقها العمدة بشيخ الخفراء السابق وشيخ الثائرين: محمد أبو سويلم؛ إهانة تتعلق بشرف زوجته، وتمس العرض في الصميم، ومع ذلك فلا يتحرك الثائر المثالي، والقرية كلها من خلال العمل الروائي تنتظر أن يتحرك، وتتوقع أن يكون دم العمدة هو الثمن الوحيد؛ ونسي المؤلف هنا أن يرسم موقفا من المواقف الحية الزاخرة بالتطوير، على أساس البعد المحدد من قبل لتلك الشخصية الرئيسية، وعلى أساس الوضع الاجتماعي لمشكلة الأعراض في الريف المصري؟

وشخصيات المؤلف في مجموعها شخصيات مسرحية، أعني أنها تتسم بهذا الطابع المسرحي سواء في الحركة أو الحوار؛ إنهم جميعا باستثناء الشيخ الشناوي ومحمد أفندي يصيحون دائما في لهجة خطابية رنانة، ويتحركون دائما بأسلوب دراماتيكي مصطنع ؛ وهي حلقة أخرى في سلسلة الأخطاء التكنيكية، تضاف إلى أن القارئ لا يخرج بأي رسم تخطيطي لشخصية الباشا مثلا، مع أنها الشخصية الواقفة بكيانها الموضوعي الضخم على الطرف الآخر من خط الصراع!

والعمل الروائي في «الأرض» لم يخضع لمفهوم الاختيار في الفن؛ إنه عبارة عن حشد مبعثر من المواقف والأحداث، لم «يتخير» منه المؤلف مضمونا محددا لمشكلة معينة، أهو يريد أن يعرض مشكلة الأرض من خلال هذا المضمون السطحي الذي أشرت إليه، أم يريد أن يتحدث عن مشكلة الوضع السياسي لعهد صدقي في مصر، أم يريد أن يسجل مشكلة الوضع الاقتصادي للريف المصري في ذلك العهد، أم يريد أن يروي طرفا من ذكريات الطفولة في ملاعب القرية؟ إن القارئ يجد نفسه مبعثر الشعور بين كل هذه المنحنيات والتعاريج، إن الريبورتاج الصحفي هو الذي ينقل إليك هذا الواقع «كله»، دون أن يقوم بعملية اختيار؛ لأنه عبارة عن «محضر تحقيق» في عرف التسمية الصحفية!

كلمات في الأدب · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٦٧