تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن نقطة الانطلاق الروائي في «الأرض»، تبدأ على التحديد في الصفحة الحادية والخمسين، أما الصفحات السابقة كلها فتعتبر خارج الحدود؛ لقد خصصها المؤلف لذكرى علاقة شخصية كانت تربطه في الصغر بوصيفة، ووصيفة كما تبدو لنا من خلال تلك الصفحات كتلة من شباب الجسد، كانت تهز في أعماق الفتى الصغير كل مشاعر الجنس؛ وهي فورة مبهمة قبل الأوان. ويمضي هو فيشرح لنا أدوار تلك العلاقة من خلال الصور الجسدية الملونة لوصيفة، ومن خلال كل موقف جمع بينهما مع صبيان القرية، وهم يستحمون عراة في مياه الترعة فيتحسس جسدها الفائر المليء، ثم وهو يمثل معها بأحلام الطفولة وفي مصلى الشناوي، ذلك الوضع الجنسي لكل زوجين في ليلة الزفاف، ثم وهو ينفرد بها ذات مساء تحت جميزة عبد الهادي، ليقطف بأوهام الرجولة كل ثمار هذا الجسد؛ إلى آخر تلك المواقف الفردية، التي لا تندمج في المضمون الجماعي للمشكلة، ولا تتصل بالخط الاتجاهي الذي تتبلور في حدوده الأحداث، فضلا عن كون شخصية المؤلف قد أقحمت في العمل الروائي على بقية الشخصيات الصانعة للتجربة، حتى بدت وهي «نشاز» في النغم العام لمثل هذه التجربة الإنسانية المعاشة!

ولقد ترتب على هذا الإقحام أن عملية الرصد المادي للأحداث، وكذلك عملية المراقبة النفسية للمواقف، قد أصبحت كلتاهما تنقل إلى القارئ بواسطة المؤلف نفسه، بعد أن تموضعت شخصيته في مركز الضمير الأول في السرد الروائي؛ وهنا يكمن خطأ تكنيكي آخر لا يقل عن الخطأ الأول جسامة؛ ذلك لأن عملية الرصد والمراقبة - عندما تكون العدسة الروائية مسلطة على تجارب الآخرين - لا يمكن أن تتم عن طريق الضمير الأول إلا في حدود اللقطة البصرية أو السمعية، فإذا ما أراد المؤلف أن يتخطى حدود اللقطتين، ليقدم صورة تحليلية تكشف لنا عن مضمون الوجود الداخلي للشخصيات، فهو ملزم تكنيكيا بأن يقدم هذه الصورة، في إطار الحركة الخارجية الدالة على طبيعة هذا المضمون.

لقد انطلق عبد الهادي مثلا إلى الجسر يبحث مرتاعا في الظلام عن وصيفة، بعد أن أخبره المؤلف أنه رآها تتسلل خلسة إلى أحد الحقول، ولعلها كانت مع علواني على ميعاد؛ إلى هنا وكل شيء في حدود المنظور أو المسموع: انطلاق عبد الهادي يفتش في كل مكان عن الحبيبة الضالة، وعن الغريم الذي كاد أن يسلبه أعز ما يملك، واطمئنانه بعد ذلك إلى أن الرواية التي نقلت إليه كانت من صنع الخيال؛ ولكن المؤلف يتخطى بعد لحظات حدود اللقطة البصرية والسمعية، إلى اللقطة الاستبطانية التي تخرج في النقل الروائي عن اختصاص الضمير الأول، ما دامت هذه اللقطة الأخيرة لم تعرض من خلال السلوك الحركي، وما فيه من معنى الدلالة الموحية: «وارتاح عبد الهادي قليلا، وهمهم لنفسه أن علواني يشبه خضرة تماما، وأن ما جمع بينهما وفق حقا؛ فهي أيضا تعيش في القرية بلا أرض ولا أهل، وأقاربها قد تنازلوا عنها منذ تركوها للبيه الأعزب، تخدم في ضيعته الصغيرة ذات الثلاثين فدانا، وطردها محمود بيه بعد أن خدمته سنتين؛ وهاجت نفسه في الصمت والظلام والفضاء، وشعر بحاجة إلى أن يحدث أحدا، وتمنى لو أن معه وصيفة - زوجة له - تجلس إلى الساقية أمام ثور كبير يدور بالساقية، وهو يروي أرضه من بعيد: هي تغني على الساقية، وهو يغني هناك وسط الماء المنسكب؛ وشعر بحب مباغت لكل شيء لوصيفة ولعلواني وخضرة ولكل ما في القرية.»

هكذا يختم المؤلف عملية الرصد الحدثي بمثل هذا الاتجاه المنحرف عن الأصول التكنيكية؛ وهو اتجاه يتكرر في أكثر من موضع، بل إنه ليزداد انحرافا في مواضع أخرى حين يفرض على مفهوم السمعيات والمرئيات، أن يتسع حتى للتجربة الغيرية التي تنعزل تماما بمواقفها الخاصة، عن طاقة الأبعاد التصورية لواقع النقل الروائي بواسطة الضمير الأول؛ لقد كانت القرية مثلا تعلم أن خضرة الساقطة، تهب اللذة بثمن بخس لبعض الشباب الضائعين من أمثال علواني، تعلم عن طريق النقل السماعي لا عن طريق الرؤية البصرية. والمؤلف حين ينقل إلينا بدوره كل ما يدور في القرية من أحاديث، تستحق الجهر أو تدعو إلى الهمس، يخطئ تكنيكيا حين يقدم إلينا الواقع المسموع، من خلال تجربة تصور موقفا من مواقف اللقاء الجنسي بين علواني وخضرة، ثم هو يصف لنا هذا الموقف بتفاصيله وجزئياته، وكأنه قطاع عرضي من حياة القرية قد انحصر في دائرة المنظور!

كلمات في الأدب · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٦٤