تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا القطيع الذي يمثل الإنسان الحقيقي في مصر، لا يمكن إذن أن تظهر قصته فجأة، وإنما كان لها تلك الجذور الضاربة في أعماق التاريخ؛ ولو نظر المؤلف إلى وضع الأرقاء من أبطاله الروائيين من خلال الرواية الحقيقية لتكوينهم النفسي، لاستطاع أن يتجه بخط التطوير في العمل الفني اتجاها آخر، لا تنطمس فيه الأبعاد النفسية على هذه الصورة، التي اهتزت فيها أيديولوجية الواقع.

توهم «الفجائية» في ظهور قصة الإنسان «الفلاح» في مصر، هو الذي جعل المؤلف يبرز مشكلة وضعه الاجتماعي، من خلال مضمون إنساني لا عمق فيه، أين هو هذا العمق في مثل هذه الملاحظة السطحية، التي تصور لصاحبها أن حياة الفلاح متوقفة على حياة الأرض، وأن حياة الأرض متوقفة على وفرة مياه الري، وأن هذه هي العلاقة النفسية بين الفلاح وأرضه في معركة معينة من معارك الكفاح؟ لقد كانت الملاحظة عند المؤلف من هذا الطراز؛ مشاهد متتابعة لتلك المعارك الكفاحية حول الماء، وهي حينا تقع بين الفلاحين بعضهم وبعض، وهي حينا آخر تقع بينهم وبين رجال الحكومة، وتنتهي كما هو المألوف في عهد حكومة «صدقي»، إلى نوع من المقاومة السلبية المتمثلة في الشكاوي المكتوبة، يكتبها أمثال محمد أفندي من المدرسين الإلزاميين، يوم أن كانوا هم النماذج البشرية المتميزة في كل قرية، أو تنتهي إلى نوع من المقاومة الإيجابية المتمثلة في اختلاس الماء، الذي تغدقه الحكومة على أرض نائبها «الباشا» بشتى الطرق، وتحدي رجال الإدارة عن طريق التمرد الخاضع في النهاية لأوامر المسئولين. والنتيجة كما كان يسجلها الواقع المشهود، هو أن تبدأ حركات القبض على الجموع المتمردة، ثم تتعرض هذه الجموع لألوان خسيسة من التأديب الذي يهدر كرامة الإنسان.

هذا هو الواقع «المجرد» الذي شاهدته في قريتي، كما شاهده المؤلف في قريته، وكما شاهد الألوف من أبناء هذه القرى المصرية في ذلك الحين؛ ولكن ما هو موقف الروائي إزاء هذا الواقع؟ هل ينقله هذا النقل الريبورتاجي الذي جردت فيه الصور من مجالاتها الخلفية؟ إن المجال الخلفي الذي يمثل أيديولوجية الواقع بالنسبة إلى صور المواقف الكفاحية للفلاح المصري، لا يلون بمثل هذا اللون الباهت، الذي أبرز عنصر التكوين النفسي وهو معطل الإحساس برواسب المشكلة، ثم أبرز عنصر التطوير تبعا لذلك، وهو منحرف عن الاتجاه الطبيعي كما يجب أن يكون. إن الإقطاع في مصر قد سلب الفلاح المصري وجوده، سلبه حاضره ومستقبله، وكل حقه المشروع في تقرير المصير، ومع ذلك فهذا الفلاح عند المؤلف ومن خلال منظاره الروائي، عندما تحتدم الثورة في نفسه على «الباشا» وعلى الحكومة التي تقف من ورائه، فهي لا تحتدم على هذا الباشا بصفته ممثلا للإقطاع، ولا على هذه الحكومة بصفتها حامية لهذا الإقطاع، وإنما تحتدم عليه بصفته «نائبا» لحزب الشعب، وتحتدم عليها بصفتها مسئولة عن تنفيذ رغبات ممثليها من النواب؛ وهكذا ظهرت قصة الفلاحين «فجأة»، وكأن لم يكن لهم تكوين نفسي سابق، وظهرت قصة الأرض «فجأة»، وكأن لم يكن لها مقدمات تاريخية سابقة. ولا عجب بعد ذلك إذا ما بدا الفلاحون ثائرين في منظار المؤلف، لا لأنهم قد سلبوا «دهرا» كل وجودهم الإنساني، ولكن لأنهم قد سلبوا «يوما» في سبيل مصلحة أرض الباشا نصف الفترة المقررة لهم في دور مياه الري، ثم قطعة من الأرض - ستدفع لهم الحكومة تعويضها المناسب - لإنشاء طريق عبر الحقول!

ولقد وقع المؤلف في خطأ تكنيكي بارز، عندما جعل مقدمته التفسيرية لماهية الوجود الإنساني في مصر، وما تلاها من عرض لبعض ذكرياته العاطفية التي استنفدت خمسين صفحة من صفحات الكتاب، بمثابة التخطيط الخارجي للمشكلة؛ إن التخطيط الخارجي يجب أن يكون داخل الحدود، أعني داخل حدود الأبعاد الموضوعية للعمل الفني، بحيث تنبع منه نقطة الانطلاق الروائي للمواقف والأحداث: المواقف التي تبرز عملية التكوين النفسي لكل شخصياته، والأحداث التي تهيئ عنصر التبرير الموضوعي لكل موقف، حين يتحول هذا الموقف إلى مجموعة من السلوك الحركي على مدار الخط الروائي الصاعد.

كلمات في الأدب · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٦٣