تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| رواية «الأرض»

بين أيديولوجية الفن وواقع الحياة

قلت عن هذا النموذج الروائي في العدد الثاني للسنة الثالثة من «الآداب»:

هذه القصة الطويلة التي سماها كاتبها «الأرض»، والتي صور فيها كفاح رقيق الأرض ضد مختلف القوى المسيطرة على وجودهم الإنساني، فقد فيها الاتجاه الملتزم رسالته التأثيرية الموجهة؛ فقدها لأن الكاتب عني بالاتجاه أكثر مما عني بالأصول التكنيكية لبناء الرواية، ومن هنا خرجت «الأرض» وهي أقرب إلى الريبورتاج الصحفي في طريقته وأسلوبه، منها إلى العمل الروائي بمقوماته الفنية.

كان هذا هو رأيي في «الأرض» لمؤلفها الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي، سجلته وأنا أتحدث عن فردية الاتجاه في الأدب الملتزم، ولكن الناقد المصري الأستاذ محمود العالم قد خالفني في هذا الرأي، بما يثبت العكس من الناحية التقييمية؛ إن «الأرض» من خلال منظاره النقدي: «عمل روائي تتحقق له مقومات فنية أصيلة في بناء أحداثه وشخصياته وأنماطه وتطوير عناصره»، حتى لقد طالبني في النهاية من باب المساجلة النقدية أن أحدد له أوجه النقص في هذا العمل الروائي، تحديدا تفصيليا موضوعيا يمكن أن يتضح فيه الكثير من مسائل النقد المعلقة.

من هنا أضع نقطة البداية لهذا النقد التفصيلي الموضوعي، فأقرر كما سبق أن قررت، أن «الأرض» ليست رواية بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة بالنسبة إلى التقييم النقدي؛ والمؤلف نفسه يضع مثل هذه النقطة التقريرية حيث يقول في أول صفحة من صفحات الكتاب: «لست أريد بهذه الصفحات أن أكتب رواية طويلة؛ ولا أن أروي هنا تاريخ بعض الرجال أو النساء، ولا ذكرياتي، ولست أحتال على القارئ لأسرق اهتمامه ويقظته، فأؤكد له أن الأبطال الذين يضطربون عبر هذه الفصول، لم يعيشوا أبدا إلا في الخيال، لن أخدع القارئ لأسرق اهتمامه إلى هذا الحد ... فخيالاتنا في النهاية لا تستطيع أن تخلق الكائنات التي تمضي مع الحياة مثقلة بالحياة: تحلم وتتعذب، وتعرف المتاع واليأس والهوى والدموع والضحكات والأمل الغامض وتصنع المستقبل في إصرار حزين، وما أنا بزاعم أني عرفت حياة الذين أتحدث عنهم، فنحن في مصر لا نكاد نعرف قصة كاملة لإنسان؛ وقصة الإنسان في مصر تظهر فجأة، وتمضي فاترة رتيبة يخالجها الاحتدام والغليان لبعض الوقت، ثم تمهد وتغيض، تغيض شيئا فشيئا كمياه منسابة على الرمال، هكذا كانت حياة وصيفة وعبد الهادي وخضرة وعلواني ومحمد أبو سويلم والشيخ يوسف، والشيخ الشناوي ومحمد أفندي والشيخ حسونة، وكل النساء والرجال الذين عرفتهم في قريتي منذ عشرين عاما.»

لم يحاول المؤلف إذن أن يكتب رواية طويلة، ولا تاريخا لغيره، ولا ذكريات؛ أما أنه لم يرد أن يقدم إلى القارئ عملا روائيا، فحقيقة يؤيدها الواقع في كثير من الإنصاف، ولكن هذا المنطق التبريري الذي يمهد به كقضية متبلورة لنفي الصفة الروائية عن عمله، يثير قبل التعرض لهذا العمل بمختلف خطوط النقد هذا السؤال: هل صحيح أن قصة الإنسان في مصر تظهر فجأة، وأننا في مصر لا نكاد نعرف قصة كاملة لإنسان؟ وهل يمكن أن نطبق هذا المفهوم الاجتماعي على قصة الحياة في الريف المصري، بحيث تندرج تحته أسماء وصيفة ومحمد أبو سويلم وعبد الهادي وعلواني والشيخ يوسف، وبقية النماذج البشرية التي تكون في مجموعها جوهر المضمون الإنساني لعمل المؤلف؟ الذي أعرفه عن يقين أن قصة هؤلاء جميعا؛ أعني قصة وجودهم الضائع بما كان فيه من حيرة المصير، هي قصة الأرض نفسها التي ارتبط بها هذا الوجود؛ وقصة الأرض في مصر قصة كاملة، لها مقدمات ولها بداية ولها تاريخ. إن قصة الأرض التي هي قصة هذا القطيع البشري التعس، يتحدث فصلها الأول عن مفهوم شيء اسمه الإقطاع، ويتحدث فصلها الثاني عن أثر هذا الإقطاع في نظام المجتمع، حين يتحول هذا المجتمع إلى فريقين: قلة تملك كل شيء، وإلى جانبها كثرة لا تكاد تملك شيئا؛ ثم إلى طبقتين: طبقة السادة، وطبقة الرقيق، أعني سادة الأرض ورقيق الأرض. ويتحدث فصلها الثالث عن أثر هذه الطبقية في تكوين الجهاز النفسي للفريق الآخر، وهو الجهاز المعقد الذي يوجه سلوك القطيع البشري في طريق الحياة.

كلمات في الأدب · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٦٢