تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقصة عند الأستاذ تيمور قد انتقلت هي الأخرى من طابع الفصحى المبسطة إلى طابع الفصحى المعقدة بل المسرفة في التعقيد؛ ولقد قلت له - يوم أن كنت واحدا من النقاد الذين اختارتهم الإذاعة المصرية لمناقشة روايته الأخيرة «شمروخ» - إن هذه الرواية من حيث المضمون تعد نموذجا طيبا يباركه النقد؛ ذلك لأنها تمثل على مستوى جيد أدب الواقعية الاشتراكية، ولكنها للأسف قد كتبت ليقرأها أعضاء المجمع؛ إن الأغلبية المطلقة من القراء لا تستطيع مثلا أن تفهم في لغة الأداء، أمثال هذه النماذج من التعبير «بخ بخ يا صاحبي؛ ذو الوجه المصوح والأعصاب المستفزة؛ وعرك أذن المذياع!» لماذا لا نستبدل هذه النماذج التعبيرية مثلا، بما يؤدي المعنى نفسه في الفصحى المبسطة؟ لقد كان الأستاذ تيمور يستطيع أن يقول: «حسنا حسنا يا صاحبي؛ ذو الوجه الذابل والأعصاب المتوترة، وأدار مفتاح الراديو.» إن الأدب القصصي والمسرحي يجب أن يكون في متناول أيدي الجماهير، ولكي يكون في متناول أيديهم يجب أن يكون في متناول عقولهم، وبخاصة إذا كان هذا الأدب يتحدث عن مشكلات الجموع ويخدم قضية الإنسان!

إن الأدب صورة القارئ كما يقول الكاتب الفرنسي جان بول سارتر؛ ومن خلال هذا الوعي التحديدي الناضج لموضوعية العمل الفني عند واحد من رواد التعبير عن روح العصر، نخرج بما يؤيد وجهة النظر النقدية التي ننادي بتطبيقها على فنين من فنون الأدب، ونعني بهما القصة والمسرحية؛ ونستطيع أن نجمل خلاصة الرأي السارتري بأن القارئ هو الذي يوجه الأدب عن طريق الكاتب الأديب، بمعنى أن هذا القارئ - كرمز جامع لأكثر طبقات القراء - هو على التحقيق تلك المادة الحية التي تشكل الخيوط الناسجة لمضمون هذا الأدب؛ إنه بقلقه وانفعالاته، بحاجاته ومطالبه، بوضع ماضيه وحاضره وأحلام مستقبله، يمثل تلك المادة الحية التي تفرض نفسها على إنتاج هذا الكاتب، وتحدد لهذا الإنتاج معالم الطريق. إن القارئ على اختلاف طبقاته ومستوياته وبالنسبة إلى الأدب، هو القوة الدافعة والموجهة؛ ذلك لأنه مركز الخطط وموضوع التجربة. وعلى هذا الأساس نجد أن القارئ قد لون وجه الأدب فجعله كلاسيكيا مرة، ورومانسيا مرة أخرى، وواقعيا مرة ثالثة، ووجوديا مرة رابعة، وواقعيا اشتراكيا في النهاية، على مدار خط التطور العقلي والاجتماعي في مختلف العصور. وعلى ضوء هذا التفسير المجمل ندرك دقة الصلات الرابطة بين موضوع التجربة ومخرج التجربة، أو بين القارئ والكاتب من خلال مشكلة التعبير!

من الطبيعي إذن أن يكون الأدب صورة صادقة للجمهور القارئ؛ ومحور هذا الصدق أن نتحاشى - عند رسم الصورة - تلك «الرتوش» المفتعلة في مضامين التجربة وفي أشكال التعبير. وليس معنى الدعوة إلى البساطة التعبيرية - كما يعتقد من يخطئون الفهم - هو أن نهبط بالأدب إلى مستوى رجل الشارع، هناك فارق ملموس بين الهبوط والوصول؛ إننا نريد أن «نصل» بالأدب إلى رجل الشارع لنتفاهم معه، لنطلعه على مشكلاته، لنقدم إليه صورته؛ لأنه - في هذا العصر الواقعي الذي نعيش فيه - هو الذي يفرض علينا هذا الوصول.

وليست بساطة التعبير بعد ذلك - كما يعتقد أيضا من يخطئون الفهم - منافية للجمال، وإنما يتنافى الجمال مع التعقيد والغموض، وتلطيخ وجه الأسلوب بمساحيق الزخرفة اللفظية. إن جمال الأداء بالنسبة إلى الشكل التعبيري في البلاغة الحديثة، يختلف عنه من حيث المفهوم في البلاغة القديمة؛ فبقدر ما يفهم القارئ من الكاتب ويتأثر به ويتجاوب معه، وبقدر ما يكتسب على يديه جديدا من الخبرة الرفيعة بالنفس والحياة، في تعبير يتسم بالإيحاء والتركيز، والملاءمة بين ثوب الأسلوب وجسم الفكرة، يكون الأدب - وبخاصة في القصة المسرحية - قد قام بدوره البليغ من الناحية الجمالية في الفن والأداء.

كلمات في الأدب · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٦١