ولا جدال في أن اللغة الفصحى هي اللغة الملائمة للمسرحية الأسطورية والتاريخية؛ لأن هذا اللون من التأليف المسرحي يختلف من ناحية المقومات الفنية، عن المسرح ذي المضمون الاجتماعي المعبر عن مشكلات عصرنا بما فيها من تجارب معاشة؛ ولما كانت شخصيات المسرح الأسطوري ليست إلا رموزا لأفكار الكاتب واتجاهاته، أو واجهات عرض لمجموعة من وجهات النظر الفنية والفلسفية، فمن الطبيعي ألا ننطق هذه الشخصيات - التي ينقصها دم الحياة ونبض الحركة - بلغة حياتنا اليومية. وشخصيات المسرح التاريخي إما أن تكون منتزعة من تاريخنا العربي القديم، أو من تاريخ مماثل لدولة تختلف عنا في لغة التعبير، وما دام الأمر كذلك فمن الطبيعي أيضا ألا ننطق شخصية عربية قديمة أو شخصية أجنبية مماثلة من حيث القدم، بنفس اللغة التي تتحدث بها النماذج الشعبية في مسرحنا الاجتماعي المعاصر.
من هنا كان توفيق الحكيم وغيره من كتابنا المسرحيين على حق، وهم يختارون اللغة الفصحى كوسيلة أدائية لحوار المسرحية الأسطورية والتاريخية؛ ولكننا نرى توفيق الحكيم في الأيام الأخيرة، يتجه اتجاها جديدا في لغة الحوار، بالنسبة إلى مسرحه الذي يعالج بعض مشكلات مجتمعنا الحديث، إنه يحاول أن يرضي حراس الفن وحراس اللغة، يحاول أن يلبي نداء الفنان داخل نفسه، ونداء زملائه من شيوخ الأدب داخل المجمع اللغوي؛ ولهذا لجأ إلى حل وسط يرضي به الطرفين المتنازعين، وأمسك بالعصا من منتصفها حتى لا يكون موضع احتجاج واتهام. لقد كتب توفيق الحكيم حوار مسرحية «الصفقة» باللغة الفصحى، التي يمكن أن يختلف فيها النطق عن القراءة، بمعنى أن هذه اللغة تتحول على لسان الممثل فوق خشبة المسرح إلى لغة عامية، وتتحول على لسان القارئ الذي يتصفح المسرحية إلى لغة فصيحة؛ وما من شك في أن توفيق الحكيم قد بذل كثيرا من الجهد، وهو يختار الجمل الحوارية التي أتاحت لمسرحية «الصفقة»، مثل هذا التزاوج اللفظي الذي التزمه كعلاج للمشكلة، وما كان أغنانا وأغناه عن هذا العلاج.
ولقد حرص توفيق الحكيم على عامية اللغة المنطوقة على خشبة المسرح، لهدف فني يعيه حق الوعي؛ وهو الهدف الذي ندعو إليه في سبيل تكامل المقومات الواقعية، لرسم الشخصيات في العمل المسرحي. ولهذا الاتجاه هدف آخر جعله الأستاذ الحكيم نصب عينيه، وهو عملية التجاوب الجماهيري مع المسرح التمثيلي، الذي يصور شتى الجوانب من مجتمعنا الحديث، بلغة الواقع في حياتنا اليومية، إن شباك التذاكر في مسارحنا المصرية، يشهد ظاهرة تتكرر دائما كلما عرضت إحدى المسرحيات الجديدة لكاتب من كتابنا المسرحيين، وهي أن رجل الشارع المصري بقدر ما يعرض عن المسرحية المكتوبة باللغة الفصحى، يقبل على المسرحية التي يعرف أن مضمونها سينقل إليه، عن طريق تلك اللغة الأخرى التي يتم بينه وبينها كثير من الألفة والتجاوب. من هنا ندرك جانبا مهما من جوانب النجاح الذي أحرزه في السنوات الأخيرة عندنا فريق من كتاب المسرح الشبان؛ إن سر نجاحهم الفني والجماهيري يرجع أولا إلى أنهم يمثلون مشكلات عصرهم، من خلال الملاحظة الدقيقة والتجارب المعاشة، وإلى أنهم يعرضون المضمون الاجتماعي لهذه المشكلات بعد ذلك، من خلال الشكل التعبيري الملائم، ونعني به لغة الحوار في قالبها الواقعي ودلالاتها الموحية. ومثل هذا النجاح من ناحيتيه الفنية والجماهيرية، وبنفس هذ المقومات يطالعنا مرة أخرى بالنسبة إلى مجموعة أخرى من كتابنا الشبان في ميدان القصة القصيرة والطويلة.
ولا بد لهذه الجولة الاتجاهية الناقدة أن تقف عند نموذج آخر من شيوخ الأدب هو محمود تيمور؛ هذا الكاتب الشيخ - منذ انضمامه إلى طائفة المجمعيين - يسلك طريقا آخر غير الذي كان يسلكه من قبل، بالنسبة إلى لغة الأداء في القصة والمسرحية. كانت الصفة الغالبة على جوهر الشكل التعبيري عند محمود تيمور، هي البساطة التي لا تقطع خيوط الاتصال الفكري بينه وبين رجل الشارع؛ وتحقيقا لهذا الاتجاه الذي كان يلتزمه كلون من المسايرة الواقعية لروح العصر، كتب بعض مسرحياته الأخيرة باللغة العامية، والتقى كثيرا من ناحية الأداء السردي في مجال القصة، مع هذه الخطوات الموفقة التي يخطوها اليوم كتابنا الشبان. ولكنه تغير بعد أن أصبح عضوا من أعضاء المجمع اللغوي؛ مسرحياته التي كتبها بالعامية أعاد كتابتها بتلك اللغة الفصحى التي ترضي المجمعيين، وكأنه أراد أن يثبت لهم أنه جدير بزمالتهم وقدرته على الأداء «البليغ»؛ ونظرة من نظرات المراجعة النقدية لهذه المسرحيات المعدلة من حيث لغة الحوار، تؤكد مدى الفوارق الفنية بين واقع كل شخصية رسمها هنا وهناك، لقد فقدت الشخصيات في صورتها الأخيرة كثيرا من أصالة تكوينها النفسي والإنساني، حين فقدت أصالة الواقع التعبيري في اللغة المنطوقة، وهو أحد العناصر الرئيسية المبرزة لهذا التكوين!