هكذا كانت الصيحات التي ارتفعت في وجه بلزاك، ولم تستطع أن تعوق خط السير الذي رسمه لأدبه، وانتهى به إلى مزيج رائع من التفوق والانتصار. إننا نسمع اليوم نفس الصيحات أو ما يشبهها إنكارا وثورة، كلما استجاب واحد من كتابنا القصصيين أو المسرحيين لصوت النقد، وقام بتبسيط لغة الأداء بالنسبة إلى عملية السرد، وإدارة الحوار القصصي والمسرحي بما يطابق الواقع للشخصيات. وتنطلق فنون الاتهام من أفواه المعترضين، بأن في هذا الاتجاه خطرا على الفصحى مبعثه تشجيع اللغة الدارجة، وإفساح الطريق إلى كل عاجز عن الأداء «البليغ»، ليكون واحدا من حملة الأقلام. ثم يمتد الاتهام بعد ذلك حتى يتخذ نقطة ارتكاز جديدة، مؤداها أن في هذا الاتجاه خطرا آخر على وحدة الفهم المشترك بين القراء العرب، وهي الوحدة التي تحققها لهم تلك اللغة الفصحى، التي يعبر بها الأدب في كل أقطار العروبة؛ ذلك لأن اختلاف اللهجات المحلية بين قطر وآخر، كفيل في رأيهم بأن يخلق مجموعة من حواجز التمثل المعنوي للتعبير بين كاتب من هنا وقارئ من هناك.
إذا احتاج هذا الاتهام إلى رد فإن الرد مهيأ وميسور؛ مهيأ بالكلمة وميسور بالتجربة، أما التجربة فقد قام بها توفيق الحكيم منذ خمسة وعشرين عاما على وجه التقريب، يوم أن خرج على القراء العرب بعمله الروائي الناضج «عودة الروح». لقد كانت «عودة الروح» بداية التطبيق العملي لما ندعو إليه اليوم في أدبنا القصصي الحديث، كانت عملية السرد بالفصحى المبسطة، وكانت عملية الحوار باللغة العامية، ولم يقل أحد إن اتجاه توفيق الحكيم قد أنقص من قدر القيمة الفنية لعمله الروائي الناضج، أو إن اللغة الفصحى قد أصابها شيء من التصدع في ذلك الحين، أو إن لغة الحوار في «عودة الروح» كانت حاجزا من حواجز الفهم المعنوي الفني، بالنسبة للجمهور القارئ في المملكة السعودية مثلا أو في لبنان أو في سوريا والعراق. ولا خوف بعد ذلك على الفصحى، وهي ما زالت تملك مثل هذا الرصيد من فنون التعبير، ونعني بها النقد والدراسة الأدبية والقصيدة والمسرحية الشعرية والتاريخية، وكل الآثار الفكرية لكتابنا المفكرين.
ونحن نؤمن بأن المستقبل القريب سيحطم من تلقاء نفسه كل الحواجز الفاصلة بين القراء العرب، يوم أن تصبح الوحدة المرتقبة بين الأقطار العربية عاملا جوهريا من عوامل الاتصال في مختلف ألوانه، ومنها الاتصال اللغوي الذي يحقق وحدة الفهم المتبادل بين اللهجات المحلية، وعندئذ يستطيع الكاتب القصصي أو المسرحي مهما كانت جنسيته العربية، أن يخاطب القراء العرب في كل بقعة من الوطن الكبير باللغة الفصحى، إذا أراد شيوخ الأدب، أو بتلك اللغة المزدوجة إذا ما فرضتها إرادة الفن!
ترى هل كان توفيق الحكيم يوم أن استخدم تلك اللغة المزدوجة في «عودة الروح»، عاجزا عن التعبير بتلك اللغة التي يطلق عليها شيوخ الأدب صفة الأداء البليغ؟ الواقع أن اتجاه توفيق الحكيم لم يكن له يومئذ غير دافع واحد، هو على التحقيق لون من الوعي السابق لزمانه؛ لقد كانت «عودة الروح» - بالنسبة لحياته الفنية - نقطة بدء يريد لها بعد ذلك أن تكون نقطة انطلاق، ولن يتهيأ له هذا الانطلاق إلا إذا غزا بعمله الأول أكثر من ميدان قرائي، يجمع بين المثقفين وغير المثقفين في مصر والبلاد العربية. وتم لتوفيق الحكيم ما أراد، ولقيت «عودة الروح» من الرواج ما لم يلقه كتاب عربي سواء كان قصة أو غير قصة، ولم يكن عجيبا أن يلمس الناقد يومئذ أن الأوساط الشعبية من ذوي الثقافة المحدودة، كانت ميدانا بارزا من ميادين هذا الرواج؛ ومن هنا تفاعل توفيق الحكيم - الكاتب الناشئ في ذلك الحين - مع وجدان رجل الشارع، في نفس الوقت الذي تفاعل فيه مع وجدان رجل الأدب. وعندما نجحت التجربة الأولى أعقبها الكاتب بالتجربة الثانية في «يوميات نائب في الأرياف»، ولقد توفر للتجربة الأخيرة ما توفر للتجربة السابقة من عوامل النجاح. ولعل توفيق الحكيم - بعد أن اطمأن إلى تحقيق هدفه - أراد بعد ذلك أن يثبت لحراس اللغة في زمانه، أنه قادر على الأداء «البليغ»؛ ولهذا نراه يختار لنفسه أفقا جديدا، يحلق فيه بجناح الفصحى وهو أفق المسرحية الأسطورية، حيث لقيه القراء العرب في «أهل الكهف» و«بجماليون» و«شهرزاد» و«سليمان الحكيم».