الخلاف بيننا كما قلت، لا يتعدى مجال القصة القصيرة والطويلة وبعض ألوان المسرح، وهو خلاف من شأنه أن يتحول إلى معركة، إذا ما كانت المعركة بطبيعتها حربا بين رأي ورأي، أو نضالا بين فكرة وفكرة، أو صراعا بين مجموعة من القيم الفنية؛ ومن حق النقد أن يخوض هذه المعركة ما دام هدفه البعيد أن تنتصر دعوة نبيلة، مضمونها أن يتخلص الأدب من بعض القيود التي تربطه بالمثقفين «وحدهم»، حتى يستطيع أن يخاطب كل الطبقات وأن يحطم الأبراج العاجية، ويهبط من عليائه إلى الشارع؛ وحتى يستطيع آخر الأمر أن يحمل رسالة التوجيه ويلوح بعصا القيادة.
لماذا كانت القصة والمسرحية بالذات ميدانا للخلاف أو ميدانا للمعركة؟ لأنهما أكثر فنون الأدب على الإطلاق رواجا في عصرنا، وأصدقها تعبيرا عن الواقع الاجتماعي للشعوب، وأبعدها دلالة على المستويات النفسية والعقلية للجماهير، وأحقها - تبعا لذلك - بتحمل مسئولية الدور القيادي الذي يمكن أن يؤديه الأدب للفرد والمجموع.
محور الخلاف الذي تدور حوله المعركة هو اللغة، اللغة التي يعبر بها كاتب القصة وكاتب المسرحية؛ إنها خيط الاتصال بين الأديب المنتج والجمهور القارئ، وإذا ما تعرضت هذه الخيوط الاتصالية لبعض ألوان التعقيد في النسيج الفني، تعقدت معها بالتبعية عملية التجاوب الفكري والشعوري بين جهاز الإرسال والاستقبال؛ أعني بين منتج الفن ومتذوق الفن!
نحن في اتجاهنا النقدي الذي ننادي به، نرى أن تكون عملية السرد في القصة باللغة الفصحى على أن تكون مبسطة، بحيث لا يصعب فهم تعبير معين على رجل الشارع أو أنصاف المتعلمين؛ أما الحوار الذي يدور بين الشخصيات سواء أكان ذلك في القصة أو المسرحية، فيجب أن يكتب بنفس اللغة التي تنطق بها الشخصيات في الواقع المعاش، أو بتعبير آخر بلغة حياتها اليومية. ولنا من وراء ذلك هدف مزدوج؛ هو أن نضمن سلامة المفهوم الفني لعملية التصوير القصصي من جهة، وسلامة التحقيق الفعلي لظاهرة التجاوب الجمهوري مع مضمون الأدب من جهة أخرى.
إن اللغة الأصلية للشخصية في الحوار القصصي والمسرحي، تحمل في ثناياها أكثر من دلالة ... منها دلالة المستوى النفسي ودلالة المستوى العقلي ودلالة المستوى الاجتماعي لهذه الشخصية، بالإضافة إلى أننا نلتزم صدق الواقع التعبيري للغة المنطوقة؛ ذلك لأن التركيبة النفسية لأي نموذج إنساني، من شأنها أن تطبع سلوكه الحركي والكلامي بالطبع الملائم لاتجاهها الداخلي. وكذلك الأمر فيما يختص بالتكوين العقلي لهذا النموذج، حين نلاحظ وحدة التلوين بين المناهج الذهنية وخطوط الاتجاه اللفظي كانعكاس مباشر. وما نقوله هنا نقوله مرة أخرى عندما نتحدث عن أثر الرابط التفاعلي بين طبيعة الوسط الاجتماعي للشخصية وبين منطق التعبير، فإذا ما كان هدف القصة أو المسرحية هو أن تقدم لنا قطاعات حية وتجارب معاشة من حياة الناس، فمن حق هؤلاء الناس - ممثلين في مختلف النماذج المرسومة - أن يجدوا أنفسهم على حقيقتها في مرآة الكاتب القصصي المسرحي، بكل مشكلاتهم وانفعالاتهم وملامحهم النفسية والتعبيرية، وعندما يتحقق لهم ذلك - عن طريق لغة الكاتب المبسطة في عملية السرد، ولغة حياتهم اليومية في عملية الحوار - فقد تحقق للأدب أن يرسل خيوطه الإشعاعية إلى كل اتجاه، وأن يشق طريقه في كل الدروب.
إننا، عندما يقول ناقد كبير معاصر عن الروائي الفرنسي بلزاك إنه أعظم كتاب الرواية، نجد أنه قد بنى حكمه على أساس حقيقة ناصعة، هي أنه لم يستطع أن يخرج من كل كتب التاريخ التي قرأها عن المجتمع الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بصورة واقعية ومتكاملة لهذا المجتمع، كما خرج بهذه الصورة من الأعمال الروائية لبلزاك. وعندما نذكر أن هذا الكاتب العظيم كان يحرص على البساطة المتناهية في لغة الأداء، نذكر في الوقت نفسه أنه قد تعرض - بسبب هذه البساطة - لبعض صيحات الإنكار من نقاد عصره، حين لم يجدوا مأخذا في فنه غير أن أسلوبه يشبه في رأيهم أسلوب الكتاب الصحفيين. ولم يكن بلزاك عاجزا عن مجاراة أصحاب الصنعة البيانية من الكتاب الرومانسيين وبقايا الكلاسيكيين في جيله، ولكنه آثر ألا يقصر أدبه على المثقفين ورواد الصالونات الأدبية، ومضى يشق لهذا الأدب الواقعي مجرى عميقا وطويلا، خلال أكبر عدد من الصفوف الجماهيرية القارئة. ومن هنا استطاع أن يطفئ بريق الرومانسية التعبيرية في عصرها المتألق، وأن يبهر بالوهج الجديد للأدب الواقعي في شكله ومضمونه، كل العيون المتطلعة إلى ضوء التطور!