تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبطل القصة - من خلال زاوية أخرى من زوايا صورته العامة - شخص يتحدث إلى الناس بلغة أخرى غير اللغة التي يتحدث بها إلى نفسه؛ إنه مع نفسه - حين ينفرد بها - شجاع لا يخشى الصراحة، ولكنه مع الناس؛ جبان تعيش مشاعره الحقيقية في الظلام، ومن هنا كان الدافع الرئيسي الذي حبب إليه دوره الصحفي في معركة القنال، هو أن يلقى هؤلاء الفدائيين عن طريق التسلل إلى حقيقتهم النفسية، ليعرف أي سر يكمن وراء المقامرة بحياتهم في سبيل هدف - هو بالنسبة إليه - غير منطقي وغير واضح. «إنه يفهم أن يكافح الإنسان من أجل سعادته؛ أن يناضل، أن يتألم، أن يشقى من أجل حياة سعيدة، أما أن يفقد الإنسان حياته فيها، فهذا ما لا يمكن تصوره بحال، هل هناك شيء أغلى من الحياة نفسها حتى يمكن أن نبذلها من أجله؟ يقولون الحرية! ولكن، ما هي الحرية؟ إنها إحدى حاجات الحياة، وحين نفقد الحياة، نفقد معها حاجتنا إلى الحرية، يقولون الحرية من أجل الآخرين، ولكن من هم الآخرون هؤلاء؟ إنه لا يكاد يحس بهم، وهم أيضا هل تراهم يحسون به؟ هل يحسون به إلا حين يحتاجون إليه؟ وهل يحس بهم إلا حين يحتاج إليهم؟ وحين يموت الإنسان؛ ماذا يبقى منه ليحتاجه الآخرون؟»

هذا التحليل الموفق الذي يرسم به الكاتب خط الاتجاه النفسي، لنمط إنساني معين يمثله بطل القصة، هو بمثابة عنصر التبرير الموضوعي لموقف البطل إزاء الحياة وإزاء الآخرين. إن الواقع الداخلي لمشكلة هذا النمط من الأحياء، هو واقع السلبية المطلقة التي تحول دون التعاطف الشعوري بينهم وبين الغير، وتحصرهم داخل وجود انعزالي، تفصله عن وجود الآخرين زحمة الدوافع الفردية، والكاتب أمام هذه الزحمة قد وقف واعيا ليختار، ليقتطع من جسم الواقع أهم منطقة نفسية، يمكن أن يجسم من خلالها المضمون الكلي للمشكلة؛ مشكلة السلبية المطلقة؛ وذلك حين وضع بطل القصة - وهو رمز النمط البشري المنعزل - تجاه حركة دفع إيجابية هدفها أفدح تضحية في سبيل المجموع!

إننا نرى البطل - في المرحلة التخطيطية للحدث - وهو يناقش أحد الفدائيين محاولا من وراء النقاش أن يتسلل إلى حقيقته النفسية؛ وفي تلك الأثناء تقبل عليهما عربة جيب إنجليزية ثم تقترب، ويطلق جنودها النار في هجمة مفاجئة؛ ويرد الفدائي بالمثل فيصيب العجلات وتتعطل العربة عن السير في منطقة مكشوفة؛ وتبدأ معركة ظالمة غير متكافئة؛ بندقية واحدة تناضل ضد مجموعة من البنادق، تحصن أصحابها وراء عربة الجيب، وأخيرا تتوقف البندقية الواحدة بعد أن عجزت عن الصمود في وجه سيل جارف من الرصاص، ويصمت الفم الذي تحدث حتى الثرثرة، عن عذوبة التضحية في سبيل الآخرين، ويتحول الحدث إلى موقف بالنسبة إلى المراسل الصحفي، ويتكشف الموقف عن سوء عملية تطوير إيجابية. «وفي هذه اللحظة كانت مشاعر محمود - المراسل الحربي - تعاني انقلابا هائلا؛ لقد بدأ يحس كأن حسن - الفدائي المصري - ليس شخصا آخر منفصلا عنه، وإنما يحس كأنه قد صار قطعة منه؛ ووجد نفسه يزحف إلى جواره، ويأخذ منه البندقية، ويغير مكانه قليلا، ويعاود إطلاق الرصاص، ولا يدري كيف حدث ذلك أيضا، لقد أحس كأن حمى هائلة تجتاح كيانه، وتكتسح أمامها كل خوف وتردد؛ وفجأة توقفت البندقية وأدرك أنه قد أصيب؛ إنه هو الآخر سيموت، ولكنه لم يمت بعد، إنه لا يزال حيا، إن حسن هو الذي منحه هذا القدر من الحياة، هذه اللحظات التي يعيشها الآن، وبدأ يدرك أنه هو الآخر يمنح الحياة أناسا آخرين، يحس بهم كأنهم أيضا قطعة منه ... ولأول مرة بدأ يدرك الصلة التي تربطه بهم، إنه يمنحهم الحياة التي يفقدها هو، إنه يتيح لحياتهم أن تستمر، أن تبقى، أن تمتد؛ وذاب في أعماقه شعور بالأسف، إنه يفقد الحياة بعد أن عرفها لأول مرة، وأدرك في قسوة أنه لم يعش قبل هذه اللحظات، لا بل كان يعيش؛ كان يعيش داخل قوقعة مظلمة، داخل ذاته، وحين انطلقت بعض الرصاصات وحطمت تلك القوقعة؛ بدأ يحس بالآخرين!»

كلمات في الأدب · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٥٥