تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعبد العال بعد ذلك - وتلك هي المفارقة الثانية - ما زال محتفظا بقيمه كرجل عاش طول عمره، وهو عف النفس رغم أنه فقير؛ ولهذا لم يحاول أن يجرد الجثة من «كل» أكفانها كما يفعل اللصوص، ولكنه يكتفي بأخذ كفنين اثنين من أكفان الشيخ عوض الثلاثة، إنه منطق الشرف حين ترغمه الحاجة، وهو في رأيه منطق عادل؛ إن بعض الأحياء من أمثاله لا يجدون إلا ثوبا واحدا، في الوقت الذي يتدثر فيه الموتى بثلاثة أثواب! لو كان الحاج أحمد الذي يرقد في قبر مجاور - والذي كان يمثل خلاصة الناس الطيبين - على قيد الحياة، لوقف وقال بأعلى صوته: «يا بلد لازم نكفن الميت في كفن واحد، وبقية قماش الكفن نفرقه على الناس الغلابة!»

وعبد العال وهو يرتجف تحت برد الليل وقسوة المطر، تتلون أفكاره بألوان اللحظة النفسية التي تمر به وتعكس ألوانها في حلم اليقظة: «كان يتصور أن شريطا عريضا من قماش الأكفان، ينبعث من هذه المقابر يشده رجلان، وأن هذا الشريط يمكن أن يغطي القرية كلها، ويصنع فوقها خيمة كبيرة لا يخترقها المطر!»

والكاتب يبرز لنا - من أعماق إحدى الزوايا في عمله الفني - جانبا من الجو العقائدي الذي يعيش فيه كل الفقراء والمحرومين؛ إنهم يحلمون بالعالم الآخر، بالجنة، بتلك المائدة الحافلة التي يمكن أن تعوضهم عن كل ما وجدوا في عالمهم من حرمان. فتحية بنت عبد العال - وهي تتحدث إلى أبيها بجوار القبر - تمثل هذه الأحلام العقائدية التي يلقنها الكبار للصغار، والتي تمثل بدورها واحدا من الشعارات النفسية لطبقة معينة من طبقات المجتمع.

إلى هنا ومحمد أبو المعاطي أبو النجا يجسم المشكلة من خلال الملاحظة الذكية وهي في قالب المفارقة، ولكن المشكلة حين تتحول إلى مأساة، تبلغ ذروة التجسيم من داخل عملية السرد نفسها في الموقف الأخير من مواقف القصة؛ موقف عبد العال وهو مهدر الآدمية تحت أقدام القطيع البشري في حواري القرية.

إن أعنف ما يهزنا من موقف الإنسانية في لحظات الضعف، هو أن يتحول ضعفها النبيل إلى ذل رخيص وتافه؛ إذا كان الذين يحيلون ضعف الإنسان إلى ذل، رخصاء وتافهين!

على ضوء هذه الذروة التجسيمية يمكننا أن ننظر إلى مأساة عبد العال؛ إن الكاتب يرسب المأساة في نفوسنا ترسيبا عميقا عن طريق عملية التصوير المادية لحركة الموكب الثائر الشامت، موكب القرويين وهم يزفون بطل القصة، من داخل هذه «الحركة» لم نكن نرى وجه البطل، ولكننا كنا نستخلص الصورة الحقيقية لهذا الوجه من خلال الواقع الإيحائي، بكل ما يرتسم على قسماته من ذل صامت أو معبر. لقد استخدم الكاتب حركة الموكب كمجال خلفي كبير للصورة المرسومة، وفي نهاية الحيز الامتدادي لهذا المجال الخلفي الكبير، نرى اللمسات الأخيرة التي تكمل ما في الصورة من زوايا وأبعاد؛ عبد العال معروض أمامنا بواسطة موكب آخر يفترق عن الموكب الأول في كونه يعلق ولا يتحرك، موكب من النساء يكتفي بأن يزف بطل القصة مجموعة من الكلمات تمثل في جملتها وجهتين من وجهات النظر: «يعني كان حد قال له يروح يسرق الكفن؟ دول ناس آمنوه لأنه راجل طيب يقوم يعمل كده؟ والله ما تخافي إلا من الطيبين دول»؛ «هوه لو ما كانش طيب كان اتمسك؛ أولاد الحرام اللي بيسرقوا كتير، إنما ده كونه راجل طيب مسكوه» ... وجهتا نظر تقدمان إلينا الجوهر الحقيقي للطبيعة البشرية ممثلة في موقفين: موقف الذين يسيئون الظن بالإنسان، وموقف الذين يحسنون الظن بالإنسان!

ومرة أخرى نجد الأركان الفنية اللازمة للقصة القصيرة تكتمل بصورة ملحوظة في «الآخرون»، وهي العمل الثالث من أعمال هذه المجموعة. بطل القصة - وهو مراسل حربي لإحدى الصحف المصرية في معركة القنال - نموذج بشري يمثل نمطا من الأحياء في المجتمع المصري وكل مجتمع آخر ... نمطا يحدد اتجاهه السلوكي دافع واحد، هو حب الذات، الحب الذي ينكمش فيه «الأنا» بحرص بالغ داخل قوقعة الفردية، ثم تتضخم جدران الواقع ذلك التضخم الذي يحول دون رؤية العالم الخارجي، هناك حيث يقف الآخرون.

كلمات في الأدب · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٥٤