تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن القصة - كعمل فني - تصوير للواقع وتجسيم للمشكلة، ووراء التصوير والتجسيم شيء يريد أن يقوله لنا الكاتب؛ محمد أبو المعاطي أبو النجا يقول لنا هذا الشيء في كثير من أعماله الفنية، قاله لنا في «الطابور» وفي «حارس المقبرة»، كما قاله لنا في «الآخرون»؛ إنه هنا كما كان هناك صاحب رأي أو صاحب فكرة، وكل منهما - أعني الرأي والفكرة - يمكن أن يستخلصه الناقد والقارئ من أعماق المضمون الاتجاهي للمشكلة المعروضة. إنها خصيصة أخرى من خصائص المدرسة التشيكوفية، وكاتبنا - كتلميذ مجتهد في هذه المدرسة - يريد أن يقدم لنا هذا الرأي. إن مشكلة السلبية التي تمارسها بعض الأنماط البشرية في حياتنا لا يمكن أن تعالج بالنظريات، وإنما تعالج بكل وسيلة عملية. الانعزاليون لا يمكن أن نعلمهم معنى الارتباط بالحياة، إلا إذا دفعناهم دفعا إلى قلب الحياة، إلا إذا صهرناهم في بوتقة التجربة. الأنانيون لا يمكن أن نلقنهم دروس البذل والعطاء إلا على يد فئة معينة، فئة بلغت درجة الأستاذية في مدرسة التضحيات. فلنضع هؤلاء السلبيين أمام الإيجابيين وجها لوجه، ومن التقاء القطب السالب بالقطب الموجب، يمكن أن تندلع شرارة الإحساس بشرف الفناء؛ في سبيل المجموع!

والكاتب في عمله الفني الرابع: «خروج عن الموضوع»، يريد أن يقول لنا كعادته، هذا الشيء الذي يمكن أن نستخلصه عن طريق الإيحاء؛ إننا في هذا العمل الفني أمام «صورة» من حياة مدرس في مدرسة بنات، مدرس يضيف بخروج تلميذاته عن المعنى المحدود لموضوعات الإنشاء، هذا الخروج الذي كأن هناك يدا خفية ترغمهن عليه، ويجد نفسه - حيال الظاهرة المتكررة - أعجز من أن يصل إلى تفسير معقول. والعدسة اللاقطة تصور لنا تلال الكراريس، وعناء المهنة المرهقة، والملامح النفسية للتلميذات من خلال الموضوعات الإنشائية، وشخصية الأستاذ حسين المدرس كواجهة عرض تجسيمية لمجموعة المدرسين، وذكاء الملاحظة وهي مصبوبة في قالب المفارقة، حين يلتقط الكاتب مركز الصدام المضحك بين منطق الحياة ومنطق الأحياء. المنطق الأخير يفرض على الأستاذ حسين أن يطالب تلميذاته بعدم الخروج عن الموضوع، وحين يكتب الأستاذ خطابا لصديقه، يرغمه المنطق الأول - منطق الحياة - على أن يخرج هو نفسه وبلا إرادة، عن الموضوع. إن اتجاه المضمون يوحي إلينا بهذا الشيء الذي يريد أن يقوله لنا الكاتب: إن الحياة تعاملنا في كثير من الأحيان بمثل هذا المنطق؛ قد تكون لنا قيم معينة نحرص عليها، أو خط سير مستقيم نطالب الغير بأن يسلكه ونفرض على أنفسنا أن نسير فيه؛ ومع ذلك، فما أكثر ما ترغمنا يد خفية أو ظروف ضاغطة، على أن نخرج بلا إرادة عن موضوع حياتنا الذي اخترناه!

وإذا ما انتقلنا إلى العمل الفني الخامس في هذه المجموعة، واجهتنا «تجربة مع الموت». إن المضمون الاتجاهي في هذه القصة، كما هو في «الآخرون» التزامي هادف، قطاع من حياتنا في لحظة صراع بطولي من خلال معركة، عاشها كل منا بوسيلته الخاصة: الفدائي بروحه ودمه، والكاتب بوجدانه وقلمه؛ بطل القصة وهو خارج التجربة، كان قد رسم للموت صورة محددة الملامح مكتملة الخطوط، ولكنها - على الرغم من ذلك - لم تكن صورة حقيقية؛ ملامحها لم تكن مستمدة من الواقع المعاش، وخطوطها كانت تنطلق من جوانب الوجود الخارجي للموت. أما حين أصبح داخل التجربة في أعماقها، بين جدرانها المطبقة، فقد عجز عن تحديد موقفه العقلي والشعور إزاء الموت، وعجز تبعا لذلك أن يقدم إلينا صورته. إن صورة الموت ونحن خارج التجربة تعد نوعا من التصور ... أما ونحن داخل التجربة فإن الرؤية تتعذر، وتتعطل الحواس المهيأة لعملية التصوير.

هذه هي الدلالة الإيحائية التي نستخرجها من المنعطفات الاتجاهية للمضمون، كلون من الإضافة التفسيرية إلى المشهد الواقعي المكون من أحداث ومواقف. ولكن محمد أبو المعاطي أبو النجا يخطئ هذه المرة فنيا واتجاهيا، وهو يقدم هذه الدلالة الإيحائية إلى القارئ في بداية القصة. إن الإيحاء بالفكرة يفقد كل ما فيه من عوامل الإثارة، إذا لم يستخلصه القارئ أو الناقد من السلوك الموقفي للشخصيات؛ هذا السلوك الموقفي أشبه بمجموعة من الغرف المغلقة، على الكاتب أن يعطينا مفاتيحها وينصرف، وعلينا نحن بعد ذلك - ما دامت المفاتيح موجودة - أن نقوم بتلك المحاولة المثيرة؛ محاولة اكتشاف ما في الغرف المغلقة من محتويات نفسية. أما أن يسبقنا الكاتب إلى مثل هذا العمل، فماذا يبقى لنا ليثير فينا متعة البحث والتنقيب؟!

كلمات في الأدب · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٥٦