وكل شيء في الحياة إنما يستمد قيمته من مقدار حاجتنا إليه: بقدر ما نحتاج يصبح الشيء في تقديرنا وهو شيء، وبقدر ما نستغني يصبح الشيء في تقديرنا وهو لا شيء؛ إن قيم الأشياء نسبية بحتة، يحدث هذا عندما لا نحس شيئا من الفراغ والوحدة في طابور الحياة؛ في مثل هذه اللحظة يبدو لنا الإنسان العادي، وهو كم مهمل لا حاجة بنا إليه، أما عندما نمارس تجربة الوحدة والفراغ ومرارة السأم، فإننا نتلهف على أن يؤنس وحدتنا ويقضي على سآمتنا أي مخلوق ولو كان أبله؛ «الشيخ الذي أمامي لا يزال يقرأ، لا يزال يتمتم بصلوات وأدعية، يبدو أنه ليس لديه أي استعداد لأن يتحدث مع أحد، كأنما جاء إلى هنا ليتفرغ للعبادة؛ آه أين أنت يا صديقي الأبله؟ إن الإنسان لا يدرك أحيانا قيمة أن يتحدث إليه أي شخص، أي حديث ولو كان هذيانا، لا شك أن الحيوانات كائنات تعسة للغاية؛ لأنها لا تستطيع أن تثرثر.»
أما الواقعية بالنسبة للشخصيات فهي واقعية نمط؛ الرجل الذي يشتغل في كل مهنة ولا يستقر في مكان، ويتزوج خمس مرات وله أولاد لا تربطهم به صلة، مثل هذا الرجل الأبله نمط؛ والعامل الذي يشكو من الضغط المادي لحياة المدينة الكبيرة، والذي كان الأبله ينصحه بأن يشتغل «مرسال صنف» ليحيا حياة مريحة، مثل هذا العامل نمط؛ والموظف الصغير المثقل بأعباء العمل، والذي يحيله الإرهاق المتواصل إلى آلة، تتعامل مع الناس على أنهم مجرد أسماء وعناوين وأعمار ومهن، مثل هذا الموظف نمط؛ والشيخ الذي يذكر الله بطريقة ميكانيكية تشغله عن كل ما حوله، حتى ليخيل إليك أنها تشغله عن الله نفسه، مثل هذا الشيخ نمط؛ وكل دمية بشرية كانت تقف في طابور البنات أو طابور الأولاد، وينبئ مظهرها الخارجي عن حقيقتها الداخلية، مثل هذه الدمية نمط ... وكل نمط من هذه الأنماط البشرية يمثل مجموعة متشابهة من الأحياء.
وحين نترك «في الطابور» لنلتقي بالعمل الفني الذي يليه وهو «حارس المقبرة»، نجد أن هذا العمل الفني قد اكتملت له كل الأركان اللازمة للقصة القصيرة: نجد فيه ذلك القطاع الطولي الذي أشرنا إليه من قبل، ونحن نفرق بين القصة والصورة، وقلنا عنه إنه تتلاقى على امتداده تلك الخيوط الصانعة لنسيج موضوعي واحد، ونجد فيه الشخصية التي تنمو من خلال الحدث على مدار التجربة، حتى تصل مع النمو النفسي المطرد إلى عملية تطوير موقفية معينة. إن المشكلة التي يقدمها إلينا الكاتب كنقطة ارتكاز للحدث، تتحول بعد ذلك إلى نقطة انطلاق للموقف المتطور، هي مشكلة كل إنسان فقير ومحروم، حين يضطر أمام قهر الظروف وتحت ضغط الحرمان والحاجة، إلى أن يسلك سلوكا قد يبدو في رؤية الناس وهو غير مشروع. عبد العال هو الشخصية التي ترمز إلى المشكلة، وتشير إلى جذورها الطويلة الضاربة في تربة الوضع الاجتماعي لأمثاله من أبناء القرية المصرية، الإنسان الضائع الذي يعيش الحياة يوما بيوم، بلا أمل في الحاضر ولا ضمان، لجأ إلى الموتى بعد أن فقد الضمان والأمل في صحبة الأحياء؛ لجأ إلى الموتى ليأخذ منهم، لجأ إلى الناس الطيبين الذين كانوا يرعونه ويرعون أمثاله، يوم أن كانوا على قيد الحياة؛ لقد خلت الحياة بعدهم من الرحمة والخير، وحين أتاحت له الظروف أن ينزل ضيفا عليهم، قرر بعد تفكير مرهق ومعذب، أن يمد إليهم يده!
محمد أبو المعاطي أبو النجا يقودنا إلى هذه المسالك النفسية، وهو يرسم لنا شخصية عبد العال من الداخل، وهو في أثناء الرسم، كثيرا ما يستخدم اللقطات الجانبية التي توضح بعض الأوضاع الخاصة للشخصية المرسومة: عبد العال وهو يقرر أن يسرق أكفان الشيخ عوض، ليشتري بها كسوة لأولاده، لا يقرر ذلك لأنه لص؛ بل لأنه فقير ومحتاج! والملاحظة الذكية التي تواجهنا من وراء المفارقة، أن عبد العال قد كلف بأن يكون حارسا للمقبرة، يحمي أكفانها من سطو اللصوص! إنها المفارقة التي تجسم المشكلة من خلال ذلك الصدام غير المتوقع، بين منطق الحياة ومنطق الأحياء؛ المنطق الأخير يفرض عليه أن يقف موقف الحارس، والمنطق الأول يرغمه على أن يقف موقف اللص، ومن هنا يحدث الصدام المضحك أو المبكي بين موقفين!