محمد أبو المعاطي أبو النجا تلميذ
1
مجتهد في مدرسة أنطون تشيكوف؛ فيه من خصائص هذه المدرسة - في عدد من قصصه ولا أقول كلها - ذكاء الملاحظة وصفاء الرؤية الفنية، ولكن من خلال عدسة مصرية صميمة. الكاتب الذي وقف في «الطابور» ساعات طويلة ومرهقة، لم يقف لمجرد تجديد بطاقته أو لمجرد التسلية بمنظر طابور آدمي عجيب، لقد وقف يرقب الشعب ويتأمله ويلاحظ، ويفسر لنا - عن طريق عملية السرد الموحية وعلى ضوء السلوك الخارجي - أكثر من حقيقة نفسية داخلية تصنع وتوجه هذا السلوك. لقد كان الطابور قطاعا حيا من قطاعات هذا الشعب، كان كما تخيله الكاتب قد تكون بهذه الطريقة: «جاء رجل ضخم جدا وراح يمد يده في كل مكان، في الشوارع والحواري، في العمارات والأكواخ، في المصانع والمؤسسات والحقول، ويجذب من كل مكان رجلا ويأتي به إلى هذا الطابور. إن هذا الطابور قطعة من الشعب؛ شريحة منه، فيها كل خصائصه العظيمة والوضيعة على السواء.»
إن العمل الفني في قصة الطابور - من ناحية المقاييس التحديدية لأركان القصة القصيرة - يخرج من خانة «القصة» ليوضع في خانة «الصورة». إنه لا يمثل ذلك القطاع الطولي الذي تلتقي على امتداده - كما هو الحال في القصة - تلك الخيوط الصانعة لنسيج موضوعي موحد. ونحن تبعا لذلك لا نرى شخصية بعينها تنمو على مدار التجربة من خلال الحدث، بحيث تنتهي بنا إلى موقف معين ينتهي إلى اتجاه إيجابي أو سلبي، استنادا إلى جوهر التكوين النفسي لهذه الشخصية أو تأثرها بشتى الدوافع الموجهة؛ في محيط هذه المقاييس التحديدية نجد القصة القصيرة. أما «في الطابور» فهي «صورة» من حيث الإطار التكنيكي الذي يحيط بأبعادها الموضوعية؛ هي مجموعة من القطاعات المستعرضة لحياة مجموعة من النماذج البشرية، معروضة من خلال لحظة معينة تربط بين هذه النماذج من ناحية الموقف، ولكنها لا تربط بينها من ناحية الاختلافات في اتجاهات السلوك.
هذه القطاعات المستعرضة في نطاق مثل هذا التصميم البنائي، نجد لها مثيلا - مع الفارق بين طبيعة العمل الروائي وطبيعة الصورة القصصية القصيرة - في رواية «الأب جوريو» للكاتب الفرنسي بلزاك، وفي رواية «زقاق المدق» للكاتب المصري نجيب محفوظ؛ الشخصيات عند بلزاك خليط متنافر من الأحياء، يجمع بينهم بنسيون مدام «فوكيه»، ونفس هذا الخليط المتنافر تجده عند نجيب محفوظ في «زقاق المدق»، وتجده عند محمد أبو المعاطي أبو النجا في «الطابور». ومما يلفت النظر هنا وهناك أن النماذج الإنسانية المريضة، هي التي تحتل مكانها في المقدمة من مسرح الأحداث، وإن كلا من «البنسيون» و«الزقاق» و«الطابور» قد بلغ مرحلة من التجسيم المادي، جعلته يبدو وكأنه شخصية حية من شخصيات العمل الفني.
وإذا ما استعرضنا الملاحظات الذكية التي يمكن أن نلتقطها من وراء المفارقة، يواجهنا موقف الكاتب وهو يرحب عقليا وشعوريا بأن يقف في الطابور، ويخضع لنظامه الصارم؛ ذلك لأنه يريد «أن يمارس تجربة الديمقراطية على مستوى آخر غير مستوى الكلمات»، ولكنه وهو يعيش في قلب التجربة، يكتشف أخيرا أن في هذه الديمقراطية - ديمقراطية الطابور الذي تتجمد فيه الحركة - شيئا من الديكتاتورية؛ «إنه منطق الطابور اللعين يجعل كل فرد هنا أسير مصيره، أسير حظه الذي وضعه في مكان لا حرية له في اختياره!»
ونحن في الطابور - ذلك القطاع الحي من قطاعات الحياة - قد نجد أنفسنا رغم كل الجهود في المؤخرة، أو على الأقل خلف أناس لا يملكون مثل رصيدنا من القيم والإمكانيات، سبقونا لأن لهم وسائلهم الخاصة في الوصول قبل غيرهم. إن الوصوليين في كل طابور تبطئ فيه الحركة أو تتجمد، حريصون دائما على أن يحتلوا مكانهم في مقدمة الصفوف.
وفي الحياة أكثر من طابور، ولكل طابور وضعه ونظامه وخط سيره الحياتي، الذي لجأ إليه عن إرادة أو غير إرادة؛ وحين تلتقي هذه الطوابير كما التقت في أول عمل فني من أعمال هذه المجموعة، يبدو كل طابور وهو غريب في منطق الطابور الآخر، وتتحول هذه الغرابة إلى حركة تعبير خاصة، تجسم وجهات النظر المتبادلة بين الطوابير: طابور صامت وكأنه يتخذ من الصمت شعار احتجاج صارخ على وضعه ومصيره، وهو طابور الأولاد المشردين. وطابور يعبر بوجهة نظر أخرى عنصرها اللامبالاة، ووسيلتها للأداء إخراج اللسان وهز الأرداف، وهو طابور البنات الساقطات. وطابور يواجه لغة التشرد ولغة السقوط، بما يناسب اختلاف المستويات العقلية لجموع الواقفين فيه، وهو طابور الراغبين في إثبات وجودهم بطريقة رسمية!