حين تبصر نور سعيد مهران مثلا واقفا ينتظر فتقول له: «أنت؛ يا كسوفي؛ انتظرت قليلا؟» نواجه الجملة الحوارية التي قلنا عنها أنها تحافظ على واقعية اللغة المنطوقة، على الرغم من أنها مكتوبة بالفصحى المبسطة. وكثير جدا من جمل نجيب محفوظ يتميز فيها بالقدرة الفائقة على صبها في مثل هذا القالب، ولكنه - في أحيان قليلة - تخونه هذه القدرة؛ تخونه مثلا عندما يقول الشيخ علي الجندي، وقد صمت مليا ثم مسح على لحيته: أنت تعس جدا يا بني.
فيتساءل سعيد مهران في قلق: لمه؟
ترى أيمكن أن تكون هذه هي واقعية اللغة المنطوقة، بالنسبة إلى رجل من طراز سعيد مهران؟
إن اللغة الأصيلة للشخصية في الحوار القصصي، تحمل في ثناياها أكثر من دلالة؛ تحمل دلالة المستوى النفسي ودلالة المستوى العقلي ودلالة المستوى الاجتماعي لهذه الشخصيات، بالإضافة إلى وجوب التزامنا للواقع التعبيري بالنسبة إلى لغة الحديث؛ ذلك لأن التركيبة النفسية لأي نموذج إنساني، من شأنها أن تطبع سلوكه الحركي والكلامي بالطابع الملائم لاتجاهها الداخلي. وكذلك الأمر فيما يختص بالتكوين العقلي لهذا النموذج، حين نلاحظ التلوين بين المنابع الذهبية وخطوط الاتجاه اللفظي كانعكاس مباشر، وما نقوله هنا نقوله مرة أخرى عندما نتحدث عن ظاهرة التفاعل، بين الوسط الاجتماعي للشخصية وبين منطق التعبير.
لقد قدم نجيب محفوظ في «اللص والكلاب» تجربة مفيدة، وأهم ما فيها من جديد هو التكنيك ... ومعنى هذا أن نجيب محفوظ يتطور، ويساير روح العصر، ويثبت أنه موفور الرصيد من تجارب الفن وتجارب الحياة.
| في القصة المصرية القصيرة
ذكاء الملاحظة - عند الكاتب القصصي - يضعه الناقد أول ما يضع، في قائمة التقييم الفني لإنتاج هذا الكاتب؛ ذلك لأن الملاحظة الذكية - من ناحية الحكم النقدي على الأصالة - تمثل نقطة الارتكاز الجوهرية لكل ما يملكه القصاص من ملكات؛ لا بد من توفر هذه الموهبة أولا: موهبة التأمل والملاحظة ورصد الحركة الدقيقة الموحية، في نطاق الوجود الخارجي والداخلي للإنسان، وعلى الناقد بعد ذلك أن يضع في القائمة - على صعيد الترتيب الفني لإمكانيات الكاتب - كمية الرصيد الثقافي من تجربة الفهم للأصول التكنيكية، وتجربة التمثل للواقع المعاش. لقد كانت الملاحظة الذكية هي أكثر الأرصدة ثراء في فن أنطون تشيكوف، وكانت من وجهة النظر النقدية عند كثير من النقاد، هي نقطة الانطلاق الباهر لتفوق المدرسة التشيكوفية - في محيط أدب الغرب - على كل مدارس القصة القصيرة، إنه يبهرنا بصفاء الرؤية القصصية في فنه، رؤية الجزئيات الدقيقة التي يتكون منها موقف داخلي معقد، يتجسم بعد ذلك في انعكاسات حركة سلوكية معبرة؛ ومن هنا سمي تشيكوف بحق، كاتب التفصيلات الصغيرة.
هذه التفصيلات الصغيرة، نستطيع أن نتتبعها في كل ما يكتب؛ ولكنها تجذبنا بصفة خاصة، عندما يعرض تشيكوف إحدى شخصياته من خلال لحظة حرجة، بحيث تتدرج هذه اللحظة تدرجا هرميا يصل بالشخصية إلى قمة أزمة نفسية معينة. هنا نرى ذكاء الملاحظة في رصد هذا التدرج الهرمي وتسجيل تطوراته، وكأنه تجربة كيميائية في المعمل؛ تتركب من محاليل مختلفة، وتمر بمراحل متتابعة، تمتزج فيها هذه المحاليل وتتفاعل، حتى نحصل في النهاية على خلاصة التجربة أو نتيجتها النهائية. ولقد كانت مفارقات الحياة غالبا هي المحاليل المختارة لتجارب أنطون تشيكوف؛ ذلك لأن الحياة في حركتها الدينامية لا تقدم إلينا أعمق لحظاتها إلا من خلال المفارقة، من خلال ذلك التناقض المثير الذي لا نتوقعه، حين يخرج منطق الحياة أحيانا عن خط سيره المرسوم؛ عندئذ يصطدم منطق الحياة مع منطق الأحياء، ومن هنا تحدث المفارقة، وقد تكون المفارقة مضحكة أو مبكية، تبعا لجوهر التناقض بين منطقين أو اتجاهين، يحدث بينهما تصادم غير متوقع ولا منتظر.