تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا فعل نجيب محفوظ في «اللص والكلاب»؛ فقدم إلينا اللون الواقعي الملائم لروح العصر، ترك لنا حرية التفسير والتبرير لسلوك شخصياته، وحرية الحكم عليها كأنماط بشرية تعيش في مجتمعنا، أو كرموز إيحائية لمشكلات يعرفها نفس المجتمع. إن شخصيات الشيخ علي الجندي ورءوف علوان ونور ونبوية وعليش، يصلح بعضها أن يكون نمطا، ويصلح بعضها الآخر أن يدخل في نطاق الرمز؛ الرمز إلى كيان موضوعي لمشكلة معينة. نبوية مثلا نمط، نمط من النساء تندرج تحته كل امرأة فارغة العين، لا تستقر نظرتها إلا على كل رجل يملأ عينيها ببريق الغواية. وعليش هو الآخر نمط، نمط من الناس يندرج تحته كل رجل فارغ المروءة، لا يستعذب العدوان إلا على من أحسن إليه. ونور في رأيي رمز؛ لا للوفاء كما هو ظاهر من دلالة السلوك، ولكنها رمز لمفارقات الحياة الضخمة، حين تتحول المفارقة في حياتنا إلى مشكلة؛ وجوهر المفارقة أننا نلجأ أحيانا إلى الشرفاء والمثاليين، نلتمس عندهم الإنقاذ والخلاص، فلا ينقذنا - أو يتعاطف معنا على الأقل - غير الضائعين أو الذين هم في رأينا لا شرف لهم. ورءوف علوان مثلا هو الرمز الكبير لكل هؤلاء الذين يتظاهرون بالمثالية والتمسك بالقيم، حتى إذا ما حققوا مآربهم من وراء هذا التظاهر، بدت وجوههم على حقيقتها وهي خالية من زيف المساحيق. ويبقى الشيخ علي الجندي كرمز أخير لمشكلة؛ مشكلة التدين. يتحول مفهوم الدين عند بعض الناس إلى نوع من الغيبوبة العقلية، التي تواجه واقع الحياة ومشكلات الأحياء بالمنطق المترنح والفكر النائم. إن الدين في تعامله مع الحياة - وبخاصة حياتنا المتطورة المعقدة - يجب أن يكون صحوة عقل ... صحوة مرنة واعية تفتح الباب أمام اجتهاد المسارية لروح العصر، بغير إحراج للدين وبغير إحراج للحياة، وهذا - في اعتقادي - هو ما يريد أن يقوله لنا نجيب محفوظ.

ولا أعتقد أن نور، من حيث التسمية وكما قال بعض النقاد

2

كانت رمزا لجانب النور في حياة سعيد مهران؛ لأن نجيب محفوظ لو كان قد عني برمزية الأسماء، ما اكتفى بشخصية واحدة دون بقية الشخصيات؛ أعني أنه كان يختار أيضا الاسم الرمزي المناسب لبطل القصة، وللشيخ علي الجندي ونبوية وعليش ورءوف علوان، تبعا لدلالة التسمية على المضمون الوجودي للشخصية. وما أعتقده عن رمزية الأسماء ينطبق على رمزية الأماكن؛ إن القرافة التي يطل عليها بيت نور، ليست رمزا للدنيا يلتقي فيها الموت بالحياة،

3

وليست رمزا للتيه والضياع،

4

وما أظن أنها كانت عند نجيب محفوظ رمزا لأي شيء؛ ولم لا نقول - كتفسير للموقف - إن طبيعة الحياة التي كانت تحياها نور كامرأة رقيقة الحال محدودة الدخل، هي التي فرضت عليها أن تسكن في ذلك المكان المتواضع الذي يتناسب ودخلها المحدود؟ لقد عادت يوما إلى سعيد مهران وهي باكية وبغير طعام لها وله؛ كانت عند بعض الطلبة الذين ضربوها وهي تطالبهم بالحساب. وإذا كان سعيد مهران قد عاش لحظات، وهو يفكر في الحياة والموت، كلما نظر من النافذة المطلة على القرافة، فهي خواطر طبيعية جدا تراودنا جميعا، كلما وقعت أبصارنا على مشهد القبور؛ إن الرمزية في «اللص والكلاب» رمزية شخصيات ومواقف، وليست رمزية أسماء وأماكن.

وننتقل بعد ذلك إلى لغة الحوار؛ من المعروف عن نجيب محفوظ، أنه يحرص على وضع حواره في قالب الفصحى المبسطة، بل ويحرص في الوقت نفسه على التقريب بين هذه الفصحى وبين لغة الحياة اليومية؛ ليحافظ - بقدر الإمكان - على واقعية اللغة المنطوقة من جهة، وليطمئن - من جهة أخرى - على أنه قد تخطى العقبات التي تحول بينه وبين القراء العرب في مختلف الأقطار، وهي العقبات الناتجة من اختلاف اللهجات المحلية هنا وهناك. موقف له مطلق الحرية في أن يتمسك به كوجهة نظر خاصة، تمثل علاقته العاطفية باللغة، وتمثل في الوقت نفسه علاقته الجماهيرية بالقارئ؛ وأعني به القارئ العربي في كل مكان.

كلمات في الأدب · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٥٠