وينتهي بنا المطاف إلى رائد من رواد القصة القصيرة في مصر، هو يحيى حقي؛ كيف ينظر هذا القصاص إلى معنى الجنس في أدبه؟ غالي شكري يرد بأن الجنس في مرآة يحيى حقي الفنية، يتجلى لنا وهو قوة ذاتية دافعة، ولكنها ليست القوة الوحيدة الحاسمة في توجيه السلوك الإنساني، وبذلك يختلف مع فرويد وأنصاره من الأدباء والفنانين، حين يجعلون من الجنس محورا اتجاهيا لهذا السلوك؛ بعد ذلك يتناول قصة «احتجاج» من مجموعة «أم العواجز»، كواجهة عرض تطبيقية لوجهة نظره الناقدة؛ بطلة القصة «بمبة» عانس في الأربعين، تعمل خادمة عند أسرة يرثها أفرادها جيلا بعد جيل، فهي من هذه الناحية - ناحية لقمة العيش - مطمئنة إلى أن في حياتها لونا من الضمان، بالنسبة إلى الحاضر والمستقبل، هي إذن لا تفكر إلا في ذلك الشاب، الذي استأجر دكانا أسفل البيت، وبدأ يداعبها وتداعبه، تلمس جسده أحيانا في شغف، وتثور ثورة عارمة حينما يتعرض أفراد الأسرة لشخصية الأسطى حسن، ويشير كل منهم إلى حاجته لبنت الحلال التي تصلح زوجة له. وحين لم يرد اسمها على لسان أحد منهم، تصيح في غضب هائج: «يعني إيه ... تأخذوا الجدع من إيدي؟!»
ما هو جوهر السلوك الحركي لتلك العانس حيال ذلك الشاب؟ إنها عند غالي شكري «لا تعبر عن ضراوة الجنس تعبيرا ضاريا أو وحشيا؛ لأنه لا يتوسد في خفاياها نتيجة أزمة طارئة أو عابرة؛ لقد أمسى مع السنوات الأربعين رمزا للحياة نفسها، ليس رمزا خياليا؛ إنه يموج بالرغبة الدافعة لخلاياها، أن تستصرخ الضمير الاجتماعي حقها في الحياة. ولم يعد هذا الحق هو ارتفاع مستواها المعيشي، فأعصاب وعيها الاجتماعي ماتت مع المستوى الراهن؛ ولم يبق لها سوى أعصاب الجنس التي تختلج لمرأى حسن، كما كانت تختلج في ليالي الزفاف مع بنات الأسرة!»
هذا التفسير لا يتفق - من ناحية التطبيق - مع ما نادى به غالي شكري، من أن الجنس في فن يحيى حقي، ليس هو القوة الوحيدة الحاسمة في توجيه السلوك الإنساني؛ لأننا هنا بالنسبة إلى سلوك العانس - ومن خلال تشريح المؤلف لمنابع ثورتها العصبية - لا نكاد نجد دافعا واحدا لتلك الثورة غير دافع الجنس؛ نحن أمام «أنثى» تثور طلبا «للرجل»، ولسنا أمام امرأة تهدف إلى العثور على زوج يكفل لها ضمان العيش؛ لأنها - في ظل تلك الأسرة - مطمئنة كما قلنا إلى الحاضر والمستقبل؛ ولأنها - من جهة أخرى، وكما أقر بذلك غالي شكري - لا تفكر في ارتفاع مستواها المعيشي؛ لأن أعصاب وعيها الاجتماعي قد ماتت؛ لم يبق لها باعتراف المؤلف سوى أعصاب الجنس، وعندما لا يبقى للإنسان - في مثل هذا الموقف - غير نوع واحد من الأعصاب، يصبح هذا الدافع الوحيد هو المحور الحاسم في توجيه انطلاقات السلوك؛ هنا شقة خلاف بين الوجهة النظرية وبين التطبيق!
بعد هذا يعود غالي شكري فيعرض عددا آخر من قصص يحيى حقي في مجموعته «دماء وطين»، ويمضي في طريقه إلى محمود البدوي وعبد الحميد جودة السحار، وسائر من طاف حولهم من كتاب القصة، هو هو بمنهجه الفكري والتعبيري، الذي قدمناه إليك في ثنايا هذا المقال، ولك أن تتبع هذا المنهج فيما بقي من فصول الكتاب، فحسب الناقد أن يقدم لك إنتاج الآخرين من خلال العرض الكيفي لا الكمي لهذا الإنتاج.
| اتجاه جديد لنجيب محفوظ
«اللص والكلاب» - آخر عمل فني لنجيب محفوظ - هل نضعه في خانة القصة القصيرة الطويلة
Long Short Story ، أم نضعه في خانة الرواية القصيرة
Short Novel ؟ أكثر الذين تناولوا هذا العمل بالتحليل والنقد، أجمعوا على وضعه في الخانة الأولى، خانة اللون المطول من القصة القصيرة. من هنا - ومن وجهة نظري الخاصة - أراني مضطرا إلى مخالفة هذا الإجماع، والخلاف بعد ذلك يستند إلى المقاييس النقدية، إذا ما وضعنا هذه المقاييس بالنسبة إلى العمل الفني موضع التطبيق.