تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا فهم جيد لجوانب الفكرة التي يرمي إليها يوسف إدريس، ولكنه - على هذا المستوى الذي أشرنا إليه - فهم للجوانب ويبقى بعد ذلك الجانب البعيد؛ إننا يجب أن نخالف غالي شكري ونستقبل الولد الجديد بفزع، الولد السابع في حياة فلاح فقير، لا يجد بضعة قروش يقضي بها ليلته؛ إننا هنا أمام ظاهرة الكم العبثي على حد تعبير سيمون دي بوفوار، وإن كانت العبثية بالنسبة إلينا تنحصر في معنى المجتمع ولا تنحصر في معنى الوجود. الريف المصري مشكلته الأساسية هي الفقر والجهل والمرض، مرتبطة بعضها ببعض، ارتباط ثالوث محكم متداخل الحلقات ... إن الأبناء في الريف نسخ مكررة من الآباء، يعيدون دورة المشكلة من جديد حين يكبرون فلا يجدون غير الفراغ، ولا يجدون غير العلاقة الجنسية كوعاء يصبون فيه هذا الفراغ، ومرة أخرى يكثر الإنجاب ويتعدد النسل وتتضخم المشكلة؛ مشكلة الفقر والجهل والمرض. هنا مفتاح القضية التي يعالجها يوسف إدريس في ثنايا المضمون العام لقصته، إنه - كما سبق أن قلت - يحرث الأرض حول جذور المشكلة، ليقع مكمن الداء تحت أضواء الرؤية، رؤية الإصلاح الاجتماعي إذا أريد له أن يكون.

من «أرخص الليالي» وهي بداية الإنتاج الفني ليوسف إدريس، ينقلنا غالي شكري إلى قصة «العيب»، وهي أحدث مراحل هذا الإنتاج؛ وفي رأيه أن كل ما هناك من فروق بين القصتين، يتركز في أن القصة الأولى - حين ظهرت - كانت دفعا ثوريا للقصة القصيرة، وأن القصة الأخيرة لم تضف شيئا جديدا في مجال النظرة التعبيرية والفكرية إلى التجربة المبكرة. ويمضي غالي شكري فيقدم إلينا تلخيصا موجزا لقصة «العيب»، التي تتناول الخطيئة كثمرة أنضجتها أوضاع المجتمع الخاصة في «المدينة»؛ فتاة تعمل في إحدى المصالح الحكومية، تفاجأ بجو موبوء عماده الرشوة وفساد الذمم بين زملائها من الموظفين، ويثور ضميرها وتحاول أن تبقى نظيفة، ولا تتيح لهذا الجو الملوث أن يمتد إلى وجودها النفسي، مهما تعددت وسائل الإغراء. وتصمد الفتاة فترة من الزمن أمام العروض المغرية من أحد زملائها الموظفين، بأن تتنازل عن ضميرها - ولو مرة - وتنضم إلى الزمرة الفاسدة. تصمد على الرغم من الوضع المؤلم الذي تعرض له شقيقها في المدرسة، حين لم يستطع أن يواصل الدراسة عجزا عن سداد المصروفات. ومع ذلك فإن صمودها لم يستطع أن يصمد حتى النهاية: موقف أخيها من ناحية، وإغراء المال من ناحية أخرى، وعين الذئب التي كانت تخدرها من ناحية ثالثة، وتشتهيها كأنثى ناضجة. وأخيرا تسقط «سناء» أمام ضغط الحاجة وبريق الذهب. وفي لقطات واعية يناقش غالي شكري مضمون القصة عبر ما فيها من معنى الجنس: «التجربة عند يوسف إدريس - تجربة الفتاة التي تدخل مصلحة «رجالي» لأول مرة في تاريخ هذه المصلحة - هي تجربة أصيلة وبنت مجتمعنا، بالإضافة إلى أنها تسجل إحدى المراحل الهامة في تاريخنا الاجتماعي. ولقد اكتفى يوسف إدريس في تعبيره الوجداني عن هذه المرحلة، بأن القديم ما يزال قويا وأنه يستطيع أن يغتال الجديد. وهذا صحيح، ولكن الأزمة الحقيقية ليست كامنة في عملية الاغتيال هذه؛ وبالتالي ليست كامنة في مئات الظروف الشاقة المريرة المحيطة بالموظفين عامة، وسناء خاصة؛ إن سقوط إحدى القلاع في ذات الإنسان كقبول سناء للرشوة مثلا، لا يعني مطلقا سقوط بقية القلاع، فتفرط في شرفها مرة واحدة. إن مجموعة القيم عند الفرد والجماعة موغلة في التشابك حقا، ولكنه تشابك معقد، بحيث لا نستطيع أن نجمع هذه القيم على قماشة بيضاء، إذا رفعها الإنسان في لحظة ضعف، رفعت بأكملها، وإذا أبقى على واحدة منها، أبقى على الكل. وهذا هو ما يجعل قصة يوسف إدريس، تبدو كما لو أنها كتبت بخطة عقلانية مسبقة!»

ويمضي غالي شكري في استعراض عدد آخر من قصص يوسف إدريس، نترك مراجعته للقارئ أو لغيرنا من النقاد.

كلمات في الأدب · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٤٥