تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حجة الذين قالوا عن «اللص والكلاب» إنها قصة قصيرة طويلة، أن مجرى الأحداث فيها يسير في خط واحد، يشمل حياة البطل من البداية إلى النهاية. صحيح أن خط السير الواحد الذي تنبثق منه الأحداث والمواقف بالنسبة إلى الشخصية المرسومة، هو السمة الرئيسية للقصة القصيرة؛ ذلك لأننا إذا نظرنا إلى القصة القصيرة، على أنها قطاع حي من قطاعات الحياة، فهو بلا شك ذلك القطاع الطولي الممتد الذي يقدم إلينا التجربة المعاشة، من خلال مجموعة متلاحقة من اللحظات الزمنية والنفسية، تتركز حدثيا وموقفيا في اتجاه واحد.

وعبر الرؤية النقدية ونحن في مجال التحديد والمقارنة، نستطيع أن نشبه القطاع الطولي الممتد - وهو عماد القصة القصيرة - بالمجرى الرئيسي للنهر، حين يندفع إلى الأمام وحده بغير روافد، بغير تلك القطاعات العرضية التي تصب في المجرى وتكتنفه، وتضاعف من قدرته على التدفق. الفارق الفني بين القصة القصيرة والرواية القصيرة يتمثل في تلك الروافد، في تلك القطاعات العرضية التي تقوم بدور التكثيف والتعميق وتوليد طاقة الاندفاع. هناك - أعني في القصة القصيرة - مسار واحد للأحداث والمواقف، وهنا - أعني في الرواية القصيرة - مجموعة مسارات تبدو عبر رؤية النقد، وهي موزعة من الناحية الاتجاهية بين الطول والعرض. هذا المسارات لا يمكن أن تجدها مثلا في قصة «لعبة الشطرنج» أو «رسالة من امرأة مجهولة» للكاتب النمساوي ستيفان زفايج؛ لأن كلتيهما تدخل في خانة القصة القصيرة الطويلة، وتمثل خط السير الواحد لنمو التجربة التي تعيشها الشخصية.

إذا رجعنا إلى «اللص والكلاب» بعد هذا التحديد فماذا نجد؟ نجد شخصية رئيسية مأزومة هي شخصية سعيد مهران؛ الأحداث والمواقف كلها تعبر عن أزمته، تعبر بحركة الوجود الداخلي وحركة الوجود الخارجي، على مدار التفاعل المشترك بين تأثرية الشعور ومادية السلوك. وعلى امتداد القطاع الطولي الذي يعرض لنا الملامح الوجهية لأزمة البطل، أو المجرى الشعوري والسلوكي لنهر حياته المندفع في صخب الضياع والتمرد، يلوح لنا على جوانب النمو عدد من القطاعات المستعرضة؛ عدد من الروافد المكثفة لأزمة سعيد مهران.

لقد كانت أزمة البطل منذ البداية، نابعة من تنكر الابنة وخيانة الزوجة وغدر الصديق؛ سناء ونبوية وعليش، هم صناع هذه التركيبة النفسية المأزومة لبطل القصة، ومن الممكن لو أردنا لرواية «اللص والكلاب» أن تكون قصة قصيرة، أن نمضي بالأحداث والمواقف في حدود خط طولي واحد، يسير في اتجاه تلك الشخصيات، ولكن العمل الفني خرج عن هذه الحدود إلى حدود أخرى جانبية، ليصل بنا إلى مرحلة معينة من التكثيف النفسي لأزمة البطل؛ ومن هنا تكتسب «اللص والكلاب» أبعادا موضوعية جديدة عمادها تلك التعريجات المتنوعة على طول الطريق؛ وبذلك ننتقل معها من المستوى التحديدي للقصة القصيرة، إلى المستوى التحديدي الآخر لفن الرواية.

التعريجات المتنوعة أو القطاعات أو الروافد الجانبية، هي على التوالي: رجل الدين الشيخ علي الجندي، ورجل الصحافة رءوف علوان، وامرأة الليل أو البغي الفاضلة نور. أولئك الذين يلعبون أدوارا رئيسية على مسرح الأحداث. لقد التمس سعيد مهران حلا لأزمته عند رجل الدين - صديق والده - فلم يظفر إلا بمجموعة من التهويمات الصوفية والعبارات المبهمة، والتمس نفس الحل عند رجل الصحافة - رفيق صباه - فلم يظفر بغير النفور والإعراض وتأليب رجال الأمن عليه. وعندما خذله الشرفاء أنصفه غير الشرفاء، أنصفته نور عندما اتخذ من بيتها وقلبها مأوى له ... ومع ذلك، فبقدر ما تذوق في رحابها طعم الوفاء، تذوق مرارة الأزمة: خانته الزوجة ووفت له البغي؛ أي مفارقة يعدها له القدر؟! وعندما اهتز قلبه لأول مرة بعاطفة حقيقية نحو إنسانة، وكانت هذه الإنسانة هي نور، أدرك أن وجوده قد وصل - في مرحلة صعود لا تتوقف - إلى قمة العبث. إن الكلاب تطارده ، وتتربص به، وتسد عليه المسالك؛ لا فائدة إذن من أن يبوح لها بحبه وعرفانه للجميل. إن حياته كلها قد غدت وهي تحمل معنى اللاجدوى، وكل الطرق أمام أحلامه قد أصبحت مغلقة! «أبي كان يفهمك. كم أعرضت عني حتى خلتك تطردني طردا، ورجعت بقدمي إلى جو البخور والقلق، هكذا يفعل موحش القلب الذي لا بيت له! وقال سعيد مهران للشيخ علي الجندي: مولاي، قصدتك في ساعة أنكرتني فيها ابنتي!

كلمات في الأدب · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٤٧