لماذا يتعرض نجيب محفوظ للجنس، ويهدف عامدا إلى تشريح العلاقة الجنسية في أكثر أعماله؟ هل يعمد إلى هذا بقصد إثارة القارئ، كما يفعل غيره من الكتاب بغية الرواج، أم أن له اتجاها معينا يتسم بالمنهجية التي يلتزمها كلون من ألوان التعبير عن وجوده العقلي؟ غالي شكري يرد على هذا التساؤل رد الباحث المقنع: «إن منهج نجيب محفوظ في التفكير يرى العلاقات الاجتماعية جميعها مترابطة بخيط واحد، لا تنفصل إحداها عن الأخرى، ولا يمكن رؤيتها الواحدة بمعزل عن الكل؛ لأن العلاقة في مفهومها تتحدد بالضرورة والحتمية مع بقية العلاقات الإنسانية بين الأفراد، كإفراز طبيعي للمجتمع، يتلون بلونه ويتشكل في قالبه ويتسم برائحته؛ لذلك يمضي الجنس في أعماله في مؤازرة العلاقات الأخرى بحركة تلقائية عفوية. ونجيب محفوظ في «القاهرة الجديدة» و«بداية ونهاية» بذل جهدا رائعا في أن يتجه بلوحاته الإنسانية إلى ذلك المنهج العميق. فلقد رأيناه يطرح للمناقشة الجادة، قضية هذه الفئات السفلى من الطبقة المتوسطة في مصر، ثم يتتبع تشابك علاقات أفرادها وتعقد الحياة من حولها، فإذا انحدرت بأحدهم علاقة ما - كالجنس - إلى الحضيض، فلأن كافة العلاقات الأخرى لا ترتفع عن مستوى التراب، وهنا يتألق منهجه في التعبير إذ هو يتخير بإحساس مرهف وشفافية، الزاوية النموذجية للكشف عن جوهر الحدث أو الشخصية أو الموقف الدرامي.»
بعد نجيب محفوظ أحب أن ألتقي - عند غالي شكري - بكاتب القصة القصيرة يوسف إدريس. في نطاق معنى الجنس يجد القارئ نفسه - أول ما يجد - أمام «أرخص ليالي»، أحد الأعمال الفنية المحلقة سواء في الشكل الفني أو المضمون الاجتماعي. في هذه القصة يضع يوسف إدريس يده على المأساة الحقيقية للقرية المصرية أو الريف المصري، يشير إلى المشكلة ويحرث الأرض من حول جذور المشكلة، حتى يعرض مكمن الداء لمختلف أنواع الرؤية؛ كل هذا في بضع صفحات يمكن أن تكون نقطة ارتكاز جوهرية لباحث اجتماعي، إذا ما حاول أن يرى القرية المصرية من خلال دائها الأصيل وعلتها المزمنة. القصة في كلمات، تعرض لنا مشهد إنسان قروي، يقع في حيرة متصلة، مصدرها البحث عن وسيلة من وسائل الترفيه يقضي بها ليلته، انتهى من صلاة العشاء في المسجد وبدأ يفكر، استعرض أكثر من طريقة وخطرت له أكثر من فكرة، ولكن كانت هناك عقبة تسد منافذ الطريق أمام وسائل التنفيذ؛ إن قتل الفراغ والعثور على مصدر من مصادر التسلية يحتاج إلى بضعة قروش، لا يملك هذه القروش القليلة. المهم عنده كيف يقضي ليلته؟ كيف يقضي على هذا الملل الذي يتسرب إلى داخله وينفذ إلى أغوار نفسه؟ وأخيرا، وعندما عجزت منه كل حيلة، لم ير عبد الكريم بدا من أن يعود إلى بيته؛ وهناك لم يلق غير زوجته، وكانت نائمة، حتى في بيته لم يجد رفيقا يؤنسه، وينقذه من وحش الملل الهائل الذي يريد أن يفترسه؛ إنه يريد أن يهرب من الوحش بأية وسيلة، أن يجد ملاذا يأوي إليه؛ كان مرغما على البحث عن هذا الملاذ، ولقد وجده - تحت ضغط الإرغام - في لقائه مع زوجته، هناك بين ثنايا الجسد. وبعد شهور، وكما تنتهي القصة، كانت النساء كالعادة يبشرنه بولد جديد، وكان هو يعزي نفسه على السابع الذي جاء في آخر الزمان، والذي لن يملأ طوب الأرض بطنه هو الآخر!
لا شك في أن يوسف إدريس - من وراء المضمون العام لقصته - يريد أن يقول لنا شيئا، يريد أن يوصل إلينا فكرة، أن يكون له هدف يسعى إليه؛ فمن أي الزوايا نظر غالي شكري إلى مغزى الفكرة التي يريد أن يوصلها إلينا يوسف إدريس؟ إن الزوايا التي اختارها للرؤية تتلخص في أننا: «لن نستقبل الولد الجديد بفزع كما يتوهم الكاتب، بل إننا نستقبل تجربة الأب بفيض من التساؤلات، حول الأزمة الضاربة المحكمة حول عنق الإنسان الكادح في بلادنا، وكيف أن شبحها يظلل كافة المنافذ أمامه بالسواد، فلا تعود عيناه تريان ومضة نور؛ وإنما تصبح حياته نسيجا داكنا من الذل والفاقة والعلاقات غير الإنسانية، حتى إن العلاقة بين الرجل والمرأة، تصبح تعويضا عن الملل، وتعبيرا قاسيا عن أنه لا يوجد شيء آخر؛ إنه الضياع الجنسي ربيب الضياع النفسي، وكلاهما نتاج الضياع الاجتماعي. والجانب الفكري والاجتماعي لمعادلة يوسف إدريس، هو الاهتمام بالطبقات الشعبية اهتماما إنسانيا، يتعاطف مع قضاياها في الحياة، وإن ما نراه من شرور وآثام في سلوك أبناء هذه الطبقات، ليس إلا نتاجا للأنظمة الاجتماعية السيئة!»