أما أن كمال قد أكسب الجنس قيمة رومانسية فهذا صحيح، ولكن كلمة «مشوه» بالنسبة إلى تكوينه النفسي وسلوكه الاجتماعي، تبدو لنا وهي تعبير غير دقيق، فليس كل عازف عن الزواج يعتبر تركيبة نفسية مشوهة، وعلى الأخص إذا كان واحدا من هذا النمط الذي ينتسب إليه كمال، ويرتبط بقيم ثقافية معينة؛ قد يكون العزوف بالنسبة إلى المثقفين موقفا من المواقف إزاء الحياة الزوجية، أو خطا من خطوط الاتجاه العقلي في لقاء الوجود. إن سيمون دي بوفوار مثلا في كتابها «قمة أيام العمر»، تفسر لنا لماذا اتجهت عقليا إلى أن تكون - بالنسبة إلى سارتر - رفيقة فكر وليست رفيقة حياة، أو لماذا قررت ألا تكون زوجة يترتب على ارتباطها به أن تنجب عددا من الأبناء. إن الوجود في رأيها مزيج من العبث، وهي لا تريد - كما تقول - أن تشارك عن طريق الزواج والنسل، في مشكلة التكثيف الكمي لهذا العبث!
هي وجهة نظر عقلية وليست تشويها في التكوين النفسي. وبالنسبة إلى كمال - كواحد من المثقفين في جيله، ومن خلال التخطيط النفسي لشخصيته - ينصب عزوفه عن الحياة الزوجية في قالب من التعبير الموقفي عن وجهة نظر خاصة، قوامها أن الزواج بأعبائه ومسئولياته يحيل حياة الفرد إلى «عملية حسابية»؛ وعندما تتحول الحياة إلى عملية حسابية تصبح وهي شيء لا يطاق! وعندما نذكر في مجال معنى الجنس إشارة المؤلف إلى خطوات كمال المتعثرة نحو بائعات اللذة، والحركة الميكانيكية التي كان يمارس بها العلاقة الجنسية، يتمثل لنا كمال وهو تركيبة نفسية «مأزومة» وليس تركيبة نفسية «مشوهة»؛ لقد كان وجوده الداخلي ميدانا رحبا لعديد من التيارات الانعكاسية المتصارعة، تلك التيارات التي كانت تصنع أزمة المثقفين في جيله؛ لدينا صراعه الطبقي مع «عايدة»، ضياعه الاجتماعي كمثقف، انحلال المجتمع من حوله، سخطه - كمرتبط بحزب الأغلبية الشعبية في بلده - على حكم الأقليات الذي كان يسانده الاستعمار والقصر؛ كل تلك الجذور الرهيبة التي استقرت في تربة نفسه، وتفرعت منها امتدادات وجوده، هي المسئولة عن كل جوانب وضعه الإنساني المتأزم. من هنا كان التعثر في إقباله على المتعة الجنسية، ومن هنا كان الشعور الأصم في لقاء المرأة؛ لأنه إقبال الملول وشعور المهزوم، ذلك الذي يريد أن يفرغ طاقة السخط الحسية في كأس من الخمر أو نزوة من الجسد، وهو في كلتا الحالتين هارب من نفسه هنا وهناك!
مواقف قليلة كما سبق أن قلت، تلك التي يقف فيها غالي شكري «ناقدا»، يرقب العمل الفني من داخله، ناسيا نفسه كباحث يجب أن يتخذ من الواقع الخارجي للظاهرة أو المشكلة، مادته الفنية اللازمة للتفسير والتبرير، ومع ذلك فما أكثر المواقف التي تواجهنا وفيها الباحث والناقد، ومن ورائهما مستوى لا ينكر من الفهم الناضج؛ ولنأخذ مثلا ثالثا في أحمد شوكت، نراه حاسما عندما انسحبت فتاة «المعادي» من حياته، لم يذب عمره في لحن جنائزي طويل، بل راح يبحث عن وجوده مع شريكة كفاحه في المبدأ والعمل؛ وكان الزواج إكليلا رائعا فوق هامتيهما، كان طريقا طبيعيا لبقية العلاقات الطبيعية الأخرى، حيث يصبح الجنس - لأول مرة - قيمة حقيقية في مستواها ونوعيتها، القيمة التي تطلب من نجيب محفوظ أكثر من ألف صفحة، ليرسم مقوماتها الضرورية ومعالمها الرئيسية، فتستمد دلالتها الإنسانية من طبيعة التكوين الاجتماعي لكل من أحمد و«سوسن»، القائم على أساس وطيد من المساواة الاجتماعية، التي تتولد عنها بالضرورة المساواة النفسية.
ولننتقل من «الثلاثية» إلى «بداية ونهاية» لنلتقي بغالي شكري، وهو يطوف بنا حول شخصية نفيسة مستخرجا لنا - من رسم نجيب محفوظ - أدق ملامحها النفسية: «وتنعكس مأساة الأسرة على هذه الفتاة، التي نكبت بوجه دميم وجسد يغلي، فلم يكن أمامها طريق أفضل من أن تدفن دمامتها في صدر كل رجل يستطيع أن يدفع غائلة الفراغ عن أمعائها وبطون إخوتها، ولا تعنيه الدمامة في غمرة ذهوله الحسي بين ثنايا جسدها. لم تكن دمامتها هي «العامل الحاسم» في سقوطها، فالسقطة الأولى في حياتها كانت احتجاجا لا واعيا على دمامتها، أرادت أن تؤكد ذاتها وتحقق وجودها، قبل أن تعي تلك الذات وهذا الوجود؛ لقد تطورت بها الحال من «تحقيق الذات» إلى مرحلة خطرة، إلى تلك الساعات التي تذهل فيها عما يدفعها إلى تسلية نفسها من دواعي اليأس والفقر؛ هنالك تنسى كل شيء إلا الرغبة المحرومة الجائعة، فتمثل بنفسها أفظع تمثيل. ولعلني لم أصادف أبشع - وأروع - من هذا التصوير لامرأة تجمدت خلايا ذهنها وقلبها ونفسها في بقعة دموية ذاهلة تدعى الجنس. لقد وصلت نفيسة إلى قمة تعاستها، فمن حيث أرادت تحقيق ذاتها، تلاشت هذه الذات وفنيت، وفقدت إحساسها بالوجود والحياة، حتى الشعور باللذة مات معها، وتحولت بقسوة إلى قطعة من لحم الأميبا؛ لأنها بعيدة الشبة عن ذكر النحل، الذي يستشهد فور أدائه للوظيفة الجنسية. إنه أفضل منها لأنه يحيا سعادته إلى أقصى حد ممكن، ثم يستشهد رغم أنفه، أما هي فقد أصبحت «رغبتها المحرومة الجائعة» عجلة قيادة تسرع بلا سائق!»