ونمضي مرة ثالثة مع غالي شكري، وهو يخرج بنا من أزقة القرية إلى شوارع المدينة، هناك حيث نواجه أول ما نواجه، كاتبنا الروائي الأول نجيب محفوظ؛ نواجهه في «السراب» وفي «خان الخليلي» و«القاهرة الجديدة»، و«بداية ونهاية» وثلاثية «بين القصرين»؛ وسنوافق المؤلف على بعض آرائه وسنختلف معه في بعضها الآخر، وعلى الرغم من ذلك تبقى حقيقة يسجلها له النقد، وهي أنه قد بذل جهدا ملموسا في قراءة نجيب محفوظ وفهمه وتمثله، ومحاولة النفاذ إلى أغوار شخصياته الفنية، على ما فيها من كثرة التعقيد وتشابك العلاقات.
في «الثلاثية» مثلا ينحصر مفهوم الجنس - تبعا لاختلاف الفهم والنظرة وتطور المجتمع - بين شخصية أحمد عبد الجواد الأب وياسين الابن الأكبر وكمال الابن الأصغر وأحمد شوكت الحفيد. الأب يضعه غالي شكري تحت المجهر ليكشف لنا عن الجزئيات الدقيقة المكونة لوجهة نظره العقلية والذوقية، بالنسبة إلى وضع المرأة الاجتماعي في عصره. لقد كانت وجهة نظره لا تختلف كثيرا عن وجهة نظر المجتمع العبودي الأول، يوم أن كانت المرأة «شيئا» مسلوب الإرادة، «سلعة» تشترى حيث توجد القدرة على الشراء. لقد كان أحمد عبد الجواد في رأينا يتعامل عقليا مع الزوجة بنفس المستوى الذي يتعامل به مع العشيقة، كلتاهما «جسد» مشبع وشهوة عابرة، ولا يمنع من هذا أن يختلف الجسدان من حيث الوسيلة الغائية، حين تكون هذه الوسيلة هنا إشباع الرغبة وتكون هناك إنجاب النسل! وياسين الابن صورة مجسمة عن أبيه، وإن اختلفت الصورتان في بعض الخطوط. ولا بد من وقفة مع المؤلف؛ لأنه ينكر - من خلال وجهة نظر إصرارية - أن ياسين «شخصية موروثة»؛ الواقع أنه شخصية موروثة إذا ما قيمناه على ضوء السلوك الحركي الرامز إلى تكوينه النفسي، ذلك التكوين الذي يعد وليدا لاتجاه مذهبي يهدف إليه في فنه نجيب محفوظ، إنه اتجاه المذهب «الطبيعي» الذي يخطط الشخصية الإنسانية سيكولوجيا، على مدار عاملين رئيسيين هما البيئة والوراثة.
لقد كان ياسين ابن بيئته كما كان ابن أبيه مرة وابن أمه مرات؛ ابن بيئة الطبقة الوسطى المحدودة الثقافة، التي يتفق مستواها التقييمي للمرأة مع مستواها العقلي - أقصد مستوى هذه الطبقة - المتجمد حيال مفهوم الحياة؛ وابن بيئة الطبقة الوسطى من التجار، حيث تتركز النظرة إلى أكثر الأشياء - ومن بينها المرأة - على أنها سلع عامة لا تصلح لغير الاستهلاك. هو ابن بيئته عبر هذا التفسير المستمد من حركات السلوك الإرادي والسلوك الفاقد للإرادة، وهو ابن أبيه حين يرث عن هذا الأب أكثر مقومات التذوق الجسدي للمرأة، بكل ما فيه من ضراوة الشهوة واندفاع الغريزة وتصارع النزوات. وهو في النهاية ابن أمه في علاقاته الجنسية المنحطة التي يهبط فيها الذوق ذلك الهبوط البشع في مجالات الاختيار؛ لقد عرفت أمه هذا اللون من العلاقات وطلقت بسببه من أبيه، واستمرأت ذلك التمرغ في الوحل بعد الطلاق. وياسين ثمرة أنضجتها الوراثة من تلك الشجرة، كان يترك الزوجة الجميلة ليرتمي - مرة بعد مرة - في أحضان الخادمات الدميمات، وتبعا لهذا الدرك الأسفل من الارتباطات الجنسية الهابطة، لم يستطع ياسين أن ينعم يوما بحياة زوجية مستقرة!
ونعود بعد ذلك إلى كمال لنراه من وراء المنظار، الذي اختاره غالي شكري للرؤية النقدية ... إن كمال - على النقيض من ياسين - لا يضع العلاقة الجنسية في مكانها الطبيعي، بل يتجاهلها تماما، فيبدو «مشوها» في تكوينه النفسي وسلوكه الاجتماعي؛ يبدو هذا في عزوفه المطلق عن الزواج، وفي خطواته الوجلة المتعثرة نحو بائعات اللذة، وفي الحركة الميكانيكية الصماء، التي يمارس بها هذه العلاقة. ويفقد «الجنس» قيمته الحقيقية بعدما أكسبه كمال قيمة رومانسية، كما أكسبه ياسين وأحمد عبد الجواد من قبل، قيمة إقطاعية!