تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجتمعنا المصري في الربع الأول من القرن العشرين، مسئول عن صهر الكاتب والشاعر في بوتقة المشاعر الحزينة والنظرة القاتمة، لقد كانت المحنة على التحقيق محنة المثقفين، أولئك الذين كانوا يعرفون عن طريق الثقافة والاطلاع والوعي أن مجتمعهم تسيطر عليه قوى قاهرة، لا ميل لهم بمقاومتها والوقوف في وجهها. كانت هناك قوى الرجعية والاستعمار والإقطاع، وطغيان الملكية وسيطرة التقاليد العتيقة. ومعنى هذه القوى الباطشة بالنسبة إلى المثقفين - وما كان في تلك الفترة - معناها الحرمان من حرية الرأي والسلوك والعقيدة والمقاومة، والشعور الطليق بالحياة. من هنا امتلأت نفوس المثقفين بالحزن، وتذوق وجودهم طعم الموت، فمضوا يمضغون أشجانهم في الشعر، ويجترون آلامهم في القصة، ويعبرون عن هزيمتهم في حدود المشاعر الفردية. ومن هنا - كما سبق أن قلت - هربوا من قسوة الواقع إلى رحمة الخيال؛ إلى هذا الأدب الرومانسي الذي كان انعكاسا مباشرا لشعورهم بوطأة الجو الخانق الذي يعيشون فيه، والذي كان تقليدا اتجاهيا للأدب الرومانتيكي الفرنسي، الذي قرءوه وترجموه وتأثروا به. وكما تأثر هيكل في قصة «زينب» بقصة «غادة الكاميليا» لديماس، فقد تأثر علي محمود طه في بعض أشعاره الأولى بنتاج الشعراء الرومانسيين الفرنسيين. ومن الطبيعي - تبعا لهذا التأثر أو ذلك التقليد - أن يجيء الحب في قصة هيكل حبا بريئا مطهرا من الإثم، كما شاءت له الرومانسية أن يكون، وقد كان كذلك في شعر علي محمود طه الأول. هذا جانب من تفسير الظاهرة، ويبقى جانب آخر، هو سيطرة التقاليد العتيقة داخل الأسرة والمجتمع في ذلك الحين. لقد وضعت تلك التقاليد على وجه المرأة حجابا حتى لا يراها الرجل، والواقع أنها لم تحجب بذلك رؤية الرجل البصرية للمرأة، وإنما حجبت في الوقت نفسه رؤيته العقلية والوجدانية، تبعا لتلك القيود الصارمة التي وقفت كجدار فاصل بين الشباب من الجنسين. من هنا - وحفاظا على حرمة آداب المجتمع وتقاليده - خفت صوت الجنس في القصة المصرية الأولى والشعر المصري الأول، واكتسى كما يقول غالي شكري - دون تفسير - بثوب فضفاض من الحياء، واكتسب تلك النظرة الضبابية!

ونمضي مع غالي شكري بعد ذلك، وهو يتابع الخط التطوري للقصة المصرية، عند روادها من أمثال محمود طاهر لاشين وعيسى عبيد؛ لنقفز إذن خمسة عشرة عاما بعد ظهور «زينب»، لنلتقي بمحمود طاهر لاشين، سنفاجأ بأن النظرة الرومانسية في الحياة والأدب على السواء بدأت تنقشع، لكن المفاجأة تصبح غير ذات موضوع، لو تتبعنا الخطوات التاريخية الرائعة التي نقلت المجتمع المصري - بعد ثورة 1919 - إلى مرحلة حضارية جديدة. إن السنوات التي بدأت بفشل الثورة الوطنية أخذت تشحن النفوس بقوى إيجابية جديدة، وفدت مع ثبات أقدام الطبقة المتوسطة، وبزوغ سلطانها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. صاحبت هذه الطبقة نظرة جديدة للحياة والإنسان والمجتمع، انعكست على آداب تلك الفترة وفنونها، ولنستعرض - على سبيل المثال - أقاصيص المجموعة الثانية لطاهر لاشين؛ المسماة ب «يحكى أن»، فنرصد الموضوعات التي طرقتها وأشكالها التعبيرية، لنحصل في النهاية على «اهتمامات العصر» ونظرة المجتمع إليها:

قواد يتظاهر بأنه من الأعيان وأنه فقد وعيه من الخمر، ويجر ضحاياه إلى داره وهي ماخور.

الكهلة المزهوة: امرأة عجوز أرمل، تتزوج من نصاب يبدد أموالها.

ونمضي مع المؤلف مرة أخرى، مع لمساته التفسيرية الباحثة، وهو يتعرض لقصة «حديث القرية» لطاهر لاشين، وقصة «مأساة قروية» لعيسى عبيد. لقد كانت القرية هي الأرضية الفنية التي اتخذت كمسرح للأحداث في قصص هيكل وعبيد ولاشين، ولعب فيها المعنى المتطور للجنس دوره الملحوظ. ما سر تلك العناية المفرطة بالريف آنذاك، ولماذا اختفى شبح المدينة فلا يكاد يلقي ظلاله على أحداث القصة المصرية عند هؤلاء الرواد؟ يرد غالي شكري على هذا التساؤل بأن «المدينة بشكلها الحضاري الجديد في ذلك الحين، لم تكن حفرت في وجدان الأدباء إحساسا عميقا بمشكلاتها وقضاياها؛ ذلك لأن التكوين الصناعي كان في خطواته الأولى المتعثرة، قبلما يصبح تكوينا متكاملا يدعي المدنية؛ ولعل توفيق الحكيم هو أول من أدرك هذا المعنى الجديد، فروايته «الرباط المقدس» - التي صدرت عام 1944 - قد أوضحت شعوره الحاد بالتمزقات الملتاعة، التي رافقت ذلك التكوين الحضاري الوافد.»

كلمات في الأدب · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٤١