من وراء هذه اللمسات النفاذة نلمح - كما سبق أن قلت - الناقد فقط، الناقد وهو يقف وحده في ميدان يستوجب وجود الباحث، ليفسر الظواهر والمشكلات؛ لقد ظهرت قصة زينب عام 1914، وهي قصة رومانسية، ونحن لا نعثر فيها بوضوح على موقف جنس بعينه، ولقد كانت نظرة العصر والمجتمع إلى هذا الموضوع، نظرة مغلفة بالغيم موشحة بالضباب؛ نحن في حاجة إلى أن نفسر هذا كله، وأن نرده إلى أسبابه ودوافعه، نحن في حاجة إلى الباحث الذي يحدثنا عن طبيعة الوعاء الاجتماعي، الذي استقرت بداخله الظاهرة أو المشكلة، واستمدت تبعا لذلك من استقرارها لون هذا الوعاء.
أدبنا المعاصر في الربع الأول من القرن العشرين، يبدو من خلال النظرة الدارسة والمتأملة، وهو متشح بأثواب الرومانسية تأليفا وترجمة؛ لماذا اندفع أدبنا بالأمس القريب إلى هذا الاتجاه، أو لماذا سار أدباؤنا - والشباب خاصة ومنهم هيكل - في هذا الطريق؟ طريق أدب الحلم والوهم والعاطفية المرهفة، والميل إلى الحزن والتفكير في الموت، والهيام بالطبيعة والإيمان بالغيبيات، والولع بالفروسية والإعجاب بالبطولة؛ كان الاتجاه الرومانسي هو الغالب والمسيطر على اختيار أدبائنا المترجمين، وعلى أذواق الجماهير القارئة التي كانت تقبل إقبالا كبيرا على هذا اللون من الأدب. لقد كان أدباؤنا يترجمون عن الفرنسية في ميدان الأدب الروائي، وكانت أمامهم كل الأعمال الفنية للكتاب الفرنسيين وغيرهم، وهي تمثل مختلف المذاهب والاتجاهات، ومع ذلك نراهم ينبذون الكلاسيكية والواقعية والطبيعية، ويقصرون مختاراتهم المترجمة على الأدب الرومانسي وحده؛ نرى المنفلوطي وهو ينقل لنا «بول وفرجيني» لبرناردين دي سان بيير، و«ماجدولين» لألفونس كار، ثم قصة «في سبيل التاج» التي تمثل البطولة الرومانسية ليهديها إلى «البطل» المصري سعد زغلول. ونرى أحمد حسن الزيات وهو ينقل لنا «رفاييل» و«آلام فرتر» لجيته. ونرى حافظ إبراهيم وهو ينقل لنا «البؤساء» لفكتور هيجو. وفي الاتجاه نفسه يسير الدكتور أحمد زكي، فيقدم «غادة الكاميليا» لألكسندر ديماس، ثم حسن صادق فيقدم «أدولف» لبنجامان كونستان، وعلي أدهم عندما ترجم «رينيه» لشاتوبريان، وكل هذه الأعمال الروائية تمثل الأدب الرومانسي خير تمثيل.
هكذا كان أدبنا في ميدان الترجمة، أما في ميدان التأليف فقد سار في الطريق نفسه واصطبغ بنفس اللون وحمل نفس الشعارات؛ المنفلوطي حين يؤلف محاولا أن يكتب فصولا، يسلك فيها مسلك كتاب القصة يبدو وهو رومانسي مسرف في كتابه «العبرات»، ولعل هذا العنوان الذي اختاره لذلك الكتاب، كان نتاجا تأثريا للنزعة الرومانسية. ومحمد حسين هيكل في قصته «زينب»، يطالعنا ببعض الخصائص الفنية التي نعرفها عن الأدب الرومانتيكي الفرنسي، ومن هذه الخصائص ذلك الهيام بالطبيعة، وهو يتغنى بجمال الريف، وتلك العاطفية المرهفة وليدة الحرمان في قصة حب بريء، وتلك الشاعرية الأسلوبية الناتجة عن الإغراق في الخيال. ولا ننسى إيمان بطل القصة بالغيبيات حين يلجأ - ليطهر روحه من أدران الإثم - إلى أحد مشايخ الطرق، وأن البطلة قد مرضت بالسل وماتت على طريقة غادة الكاميليا لألكسندر ديماس.
وشباب الشعر في ذلك الحين - علي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمد عبد المعطي الهمشري - لا نكاد نسمع منهم إلا نغمات حزينة وملتاعة؛ نظرتهم إلى الوجود كانت من خلال منظار قاتم، تذوقهم للحياة كان مغلفا بالضيق والكآبة والشكوى والشعور المرير، وهم في النهاية ككل الرومانسيين الصادقين يهربون من قسوة الواقع إلى رحمة الخيال، ولا يجدون ملجأ إلا في رحاب الطبيعة، الأم الحانية التي تمثل الواحة الظليلة لكل المكتوين بلفح الهجير. وما أكثر الكلمات التي تطوف في شعرهم حول الموت؛ الموت الرومانتيكي المتركز في الشعور بالهزيمة أمام عدو قاهر هو الحياة.