أوجه التقصير القليلة في هذا الكتاب القيم، تتركز في بعض المواقف التي ينفصل فيها «الناقد» عن نفسه «كباحث»، ناسيا وهو يجوب العمل الفني من داخل، أثر الهزات الخارجية التي طبعت المضمون الاتجاهي بطابعها الخاص؛ عندئذ نواجه الملكة الناقدة، وهي ترصد الظاهرة أو تضع يدها على المشكلة، دون أن تنفذ إلى ما وراءهما من عوامل خارجية، وجهت خط سير العمل الفني إلى مصير موضوعي محدد.
ونترك المقدمة الطويلة التي مهد غالي شكري لبحثه، لنلتقي بعدها أول ما نلتقي بالبداية الحقيقية لجوهر هذا البحث، وهي: «أزمة الجنس في القصة العربية» إن غالي شكري كباحث يقرر: «إن أي مجتمع حديث يعتبر وليدا لما سبقه من مجتمعات، فالحضارة القائمة في عصرنا هي ابنة العصور الذاهبة، مضافا إليها ما استجد من ظروف التقدم؛ لذلك يتحتم أن نبحث أولا عن جذور تراثنا، قبل أن نبحث أزمة الجنس في القصة العربية الحديثة، فليس من شك أننا ورثنا الكثير من مقومات الحياة المادية والقيم الفكرية القديمة، حتى إنه يلزم لنا أن نغوص في أعماق التكوين الاجتماعي لحضارتنا، منذ اللحظة التي قامت فيها دولة للرقيق، ولعبت الجواري والقيان دورا كبيرا في حياة المجتمع العربي، حينذاك راح الشعراء يصورون العلاقات الإنسانية الناشئة في مثل تلك الدولة، العلاقات الشاذة والطبيعية على حد سواء، وبرزت دلالات جديدة للعلاقة الجنسية، استمدت مضمونها ومحتواها من جوف البنيان الحضاري الجديد.»
بمثل هذا التصور المدرك لقوى الدفع الموجهة لكل واقع حضاري يعيشه مجتمع من المجتمعات، وضع غالي شكري نقطة البدء، ليتخطاها بعد ذلك إلى مرحلة الشواهد والتطبيق؛ لقد استشهد أولا ببغداد أيام الحكم العباسي، ثم بالقاهرة أيام الحكم الفاطمي، في كلتا العاصمتين كان هناك بيوت للإثم ودور للدعارة، تديرها النساء الساقطات بطريقة رسمية تحت حماية الدولة، حيث كانت تجبي عليها الرسوم؛ وفي تلك الفترة - وعلى الأخص في مصر الفاطمية - كانت سهولة الطلاق تغري الكثير من الرجال على أن يتزوج الواحد منهم في عشر سنوات نحو عشرين أو ثلاثين زوجة، وتغري الكثير من النساء على أن تكون الواحدة منهن زوجة لاثني عشر زوجا، حيث تترك هذا لتقترن بذاك. هي إذن تركة ورثها مجتمعنا على مر الأجيال، فما يزال الطلاق منتشرا؛ وما يزال منتشرا كل ما يترتب عليه من نتائج وخيمة عمادها الزنا والبغاء!
وينتهي غالي شكري من هذا التمهيد إلى تقرير هذه الحقيقة، وهي أن الخيوط الناسجة لثوب الواقع العربي في مختلف أقطاره، وإن تشابهت تقريبا في نوع النسيج، إلا أنها تختلف أحيانا من حيث اللون، حتى لتختلف تبعا لذلك - في نطاق معنى الجنس - السمات الغالبة على الأدب في لبنان، عن السمات الغالبة على الأدب في مصر. وهنا يستشهد الباحث الناقد بقصة امرأة قروية، كانت تمارس البغاء في المدينة للكاتب اللبناني توفيق يوسف عواد، وهي قصة قصيرة عنوانها «المقبرة الدنسة»، ويخرج منها بأنها إذا كانت تعبيرا صادقا للمشاعر، التي تنتاب أهل القرية اللبنانية تجاه امرأة ضلت الطريق، فهي تختلف من حيث الجو، وتصوير تلك المشاعر الإنسانية عن القرية في مصر. ويستشهد مرة أخرى بقصة ثانية لتوفيق عواد عنوانها «الشاعر»، وقصة ثالثة لخليل تقي الدين عنوانها «الإعدام»، على أن المرأة الأجنبية - كخط اتجاه موضوعي من خطوط العمل القصصي - كان لها دور ملحوظ في الأدب اللبناني.
بعد ذلك ينتقل غالي شكري إلى القصة العربية في مصر، ليلتقي «بالفنان الذي أرخ لفجر الرواية المصرية بقصة زينب. نجح الدكتور هيكل في هذه الرواية نجاحا باهرا - إذا لم نغفل العامل الزمني - في أن يرسم ببراعة، الصورة الرومانسية للجنس، وقد صدرت القصة عام 1914؛ أي ذلك التاريخ الذي كانت تعاني فيه مصر أزمتها التاريخية بداية الحرب العالمية الأولى، وكان النظام الإقطاعي المهيمن على أشكال الحياة المصرية، يخيم في الوقت نفسه على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد؛ لهذا كان حامد - بطل قصة هيكل - رمزا لشباب ذلك الجيل المعذب، بين مثله العليا المستمدة من ثقافة الغرب، وبين الأوضاع السيئة السائدة آنذاك في المجتمع المصري». ومن خلال عرض سريع لأحداث قصة زينب، يشير الناقد - وأقول الناقد فقط - إلى أن القارئ لا يعثر على موقف جنس صريح في القصة؛ لأن العلاقة بين الرجل والمرأة في ذلك المجتمع لم تكن نفسها صريحة، وما نلاحظه في الرواية من أحاديث «عن» الجنس، تكتسي بثوب فضفاض من الحياء والتخفي؛ لأن نظرة العصر والمجتمع إلى هذا الموضوع، كانت هي بعينها نظرته إلى سائر الأشياء: نظرة ضبابية غائمة تحيل كافة المرئيات والعلاقات، إلى ألوان باهتة غير واضحة.