تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما رواية فريد أبو حديد فقد انعكست على صفحة المرآة النقدية للمؤلف، في تلك الصورة التي رسمنا خطوطها التعبيرية من قبل، حين قلنا إن عدم الإلمام بالأصول الفنية لكتابة القصة، هو في الواقع تضحية بالمضمون الاتجاهي نفسه، حين يقف وحده عاجزا عن عملية حفر عميقة في نفوس الجماهير. وتتكرر الصورة مرة أخرى بالنسبة إلى المضمون الاتجاهي أيضا في مسرحية عزيز أباظة، تبعا لانعدام الوعي بالتكنيك المسرحي أولا، وللحذلقة اللغوية التي يلجأ إليها الشاعر ثانيا، ويشعر معها النظارة بحاجتهم إلى القواميس، ويرغم معها القراء على الرجوع إلى الهوامش الشارحة. ونحن معجبون مع المؤلف بكثير من جوانب الملكة القاصة عند محمود السعدني، وإن كان هذا القصاص الشاب في رأينا، ينقصه التنويع في عرض المستويات النفسية لنماذجه الكادحة، حتى تكون هذه النماذج في جملتها تجميعا صادقا في بؤرة العدسة اللاقطة لنظائرها الحية في المجتمع المصري. وإذا ما اهتم هذا القصاص بعملية التطوير الموقفي للأحداث، لتخرج بعض قصصه من نطاق «الصورة» إلى نطاق «المشكلة» المكتملة العناصر، فليس من شك في أن إنتاجه يصبح كسبا كبيرا للقصة المصرية القصيرة. ولقد أنصف المؤلف شعر الفيتوري وهو في رأينا جدير بالإنصاف.

| أزمة الجنس في القصة العربية

أن ندرس العمل الفني من الداخل فتلك هي مهمة الناقد، أما أن ندرس العمل الفني من الخارج فهذه هي مهمة الباحث. وكل من الباحث والناقد - من ناحية التكامل الازدواجي للكاتب - مطلوبان كصفتين بارزتين، في مجال التقييم الحقيقي لمختلف الأعمال الفنية.

إننا ندرس العمل الفني من الداخل، لنحكم على عملية بنائه كتركيب عضوي، ينمو ويمتد من خلال حركة دينامية متطورة؛ وعلى هذا الأساس من توفر عنصر الإيجاب والسلب، نهيئ أول جانب من أركان المعادلة التقييمية للعمل الفني عبر لمسات النقد؛ نهيئه في حدود قطاع واحد هو القطاع الداخلي، ونعني به قطاع الملكة الناقدة، أما ذلك الجانب الآخر من أركان المعادلة، فإننا نهيئه في حدود القطاع الخارجي أو قطاع الملكة الباحثة، إذا ما نظرنا إلى العمل الفني على أنه وليد شرعي، لما يحيط به من عوامل التكوين، تلك التي تتمثل في الدوافع المؤثرة والتيارات الموجهة.

من هنا يتحتم علينا ونحن ندرس في أعمال الآخرين مشكلة من المشكلات أو نبحث ظاهرة من الظواهر، ألا ننظر إلى المشكلة أو الظاهرة، وهي معزولة عن واقعها الاجتماعي وجذورها التاريخية؛ إن هذا العزل لو حدث، لترتب عليه أن يقتصر الكاتب - بطريقة مرغمة - على الرصد التسجيلي الذي ينقصه التفسير والتبرير. إن المشكلة أو الظاهرة نتاج مباشر لعديد من الأوضاع، التي تشكل في مجموعها هيكل مرحلة حضارية متطورة الملامح، ولكنها على التحقيق تستمد الجوهر الأصيل لملامحها - على مدار تجمد الترسيب أو تكيفه - من مراحل أخرى سابقة، هي نقط الانطلاق الأولى لهذه المرحلة الحضارية الممتدة.

من هذه الزاوية يتاح لنا أن نرصد المشكلة، وأن نحدد أبعادها الموضوعية من جهة، وأن نضع أيدينا - من جهة أخرى - على مصادر هذه الأبعاد؛ على المنابع التي تفسر لنا جريان النهر الحياتي للمشكلة، واندفاعه في اتجاه معين، عبر مسالك العمل الفني الرامز إلى مرحلة حضارية. وقد يكون العمل الفني تجسيما لواقع تاريخي يتشابه مع واقع تاريخي آخر، ينشئ بينهما نوعا من التجاوب الفكري والعاطفي في الفن، بحيث ينشئ بدوره نوعا من التكرار لظاهرة اتجاهية محددة؛ يحدث هذا على اختلاف البعد الزمني والمكاني، بين نوعي الأرضية التاريخية التي تدور فوقها الأحداث.

غالي شكري في كتابه الجديد «أزمة الجنس في القصة العربية»، يحقق الكثير من هذا التكامل الازدواجي للكاتب، حين يجمع بين الباحث والناقد على صعيد الرؤية الإدراكية للعمل الفني من الداخل والخارج؛ يحقق هذا الكثير في المقدمة الطويلة، التي مهد بها لبحثه النقدي تحت عنوان: «محور الفن منذ فجر التاريخ» و«تطور مفهوم الجنس عبر العصور»، ثم وهو يطبق اتجاهه المنهجي على مشكلة الجنس في القصة العربية المعاصرة، عند كتابها من أمثال نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس، ومحمود البدوي وسهيل إدريس وإحسان عبد القدوس، وعند كاتباتها من أمثال كوليت خوري وليلى بعلبكي وصوفي عبد الله.

كلمات في الأدب · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٣٨