تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحق أننا نشفق من «نهائية» الأحكام النقدية في مثل هذا الموقف، الذي نخرج فيه من الحوار برأيين متعارضين، يحمل كل منهما في أحشائه وجهة نظر فنية تعبر عن اتجاه فكري محدد؛ فإذا قال المؤلف - وبطريقة حاسمة - إن وجهة نظر بجماليون بالنسبة للعمل والكادحين، هي وجهة نظر الفنان المنعزل الذي يمثله توفيق الحكيم، جاز لنا أن نقول أيضا إن توفيق الحكيم قد يكون معترضا - وبطريقة إيحائية - على موقف بجماليون، من خلال وجهة النظر الأخرى التي تعبر عن موقف جالاتيا، وهي تهتف في انفعال صادق: «كل كد جدير بالتقدير»، ومعنى هذا أنه ما دام هناك احتمال ممكن لوجود تفسيرين لجزئية مضمون اتجاهي، فينبغي للناقد أن يتجنب الأحكام النهائية.

وجانب موقفي آخر حين استجابت الآلهة لدعاء بجماليون، فأحالت التمثال الرخامي البارد إلى «جالاتيا» البشرية المتدفقة بالحياة، لقد طلبت جالاتيا الجديدة إلى بجماليون أن يفترق كل منهما عن الآخر؛ لأنها تشفق من ذلك اليوم الذي سيعرض شعرها للشيب ووجهها للتجاعيد، في تلك المرحلة من العمر التي تبهت فيها الصورة الجميلة تحت لفح الشيخوخة، وعندئذ يتعرض وجودها الإنساني - ومن خلال نظرته المتذوقة - إلى الإذلال والهوان. وحين يجيبها بجماليون في فزع، بأنه لا يستطيع أن يتخيل هذا الذي سيحدث، تجابهه هي بهذه القضية الفكرية الناصعة: «لقد لفظت الحقيقة الساعة يا بجماليون. إنني لست عملك الفني، ولا أستطيع أن أكون كذلك، ينبغي أن تفكر أيضا بشيء آخر هو احتمال موتي، وبه يمحي كل أثر لعبقريتك.» لقد عقب الدكتور القط على مضمون هذا الحوار بأنه: «فلسفة مخطئة عن الفن والحياة، مردها تصور المؤلف الحياة كما تتمثل في كائن حي واحد يشيخ ويموت، وإغفاله لحقيقة الحياة الممتدة الباقية من جيل إلى جيل. إن الحياة باقية وكذلك الفن؛ لأنه يستمد منها وجوده، أما الذي يفنى فهو الكائن الحي في نطاق عمره المحدود، وكذلك يفنى الأثر الفني، فما يمنع أن يتحطم التمثال ويعود قطعا لا معنى لها، من العاج أو الرخام؟»

وهذا في رأينا تفسير بعيد عما قصد إليه توفيق الحكيم، إن نقطة الارتكاز في هذه القضية الفكرية، هي هذه العبارة في المضمون الحواري، حين تقول جالاتيا لبجماليون: «إني لست عملك الفني، ولا أستطيع أن أكون كذلك»، والمعنى البعيد الكامن وراء العبارة، هو أن العمل الفني إذا لم يكن من صنع الفنان ومن خلق يديه، فهو عمل معرض للفناء «المعنوي»، بحيث لا يستطيع أن يجد لصاحبه مكانا في سجل الخلود؛ ذلك لأنه منسوب بغير حق إلى صاحبه، وهو من صنع الآخرين، وكل التعبيرات الواردة في الحوار عن الشيب والتجاعيد، وتغير الصورة الجميلة بفعل الشيخوخة وفنائها بفعل الموت، هي في حقيقتها رموز معنوية أراد توفيق الحكيم، أن يصل إليها فوق معبر فني من «مادية» الكلمات.

ونحن مع الدكتور القط بعد ذلك في القسم الثاني من كتابه، حيث خصص هذا القسم للإيجابية بمفهومها الفني والاجتماعي، كما حدده في القسم الأول؛ وهو هنا يسجل أدوار المرحلة الانتقالية، التي مر بها الأدب المصري المعاصر ليواجه الدور الأخير، وهو دور التجاوب مع حركة المد الجديدة، المندفعة إلى ربط الأدب بمشكلات عصره. ويتخطى المؤلف هذا الدور ليصل إلى الساحة النقدية، التي يمكن أن يمارس فيها عملية التطبيق، على أربعة أعمال فنية حاول أصحابها - جهد طاقتهم - أن يربطوها بعجلة الأدب الملتزم. وهذه الأعمال التي اختارها المؤلف كنماذج للمحاولة هي: رواية «أنا الشعب» لمحمد فريد أبو حديد، ومسرحية «غروب الأندلس» الشعرية لعزيز أباظة، ومجموعة من القصص القصيرة بعنوان «السماء السوداء» لمحمود السعدني، وديوان من الشعر هو «أغاني أفريقيا» لمحمد الفيتوري.

كلمات في الأدب · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٣٧