تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد وقف الدكتور القط عند المعنى القريب في المضمون الفكري لمسرحية «شهرزاد»، ولم ينفذ إلى ما وراء المعنى القريب من رمز بعيد؛ فهو مثلا قد ظن أن شخصية شهرزاد ما هي إلا شخصية امرأة مغلفة بالأسرار، يسعى كل من «شهريار» و«قمر» إلى الكشف عن حقيقتها، بحيث ينظر إليها الأول على أنها عقل كبير، وحيث ينظر إليها الثاني على أنها قلب كبير، بينما هي من وجهة نظر «العبد» لم تكن إلا جسدا جميلا. واعتمد المؤلف في هذا التفسير الذي لم يحالفه الصواب على هذه العبارة التي قالتها شهرزاد لكل منهم وهي ساخرة: «أنت تراني في مرآة نفسك.» وينتهي إلى أن هذا المفتاح التعبيري هو جوهر المضمون الفكري للمسرحية، وخلاصته «أن الحقيقة لا حقيقة لها إن صح هذا التعبير»، واعتمادا على هذه النظرة أصدر المؤلف حكما، ظلمت معه الحقيقة الفنية كما سبق القول، ومدار هذا الحكم هو أن شخصية شهريار شخصية سالبة؛ لأنه فشل على يد الكاتب في الوصول إلى حقيقة شهرزاد، وعاد من نقطة النهاية إلى نقطة البداية وهو مهزوم.

ولا ندري كيف لم يفطن الدكتور القط - على وفرة لقطاته الواعية - إلى حقيقة الفكرة الرمزية في «شهرزاد»، مع أن هناك أكثر من مفتاح تعبيري لفتح الأبواب المؤدية إلى هذه الفكرة؛ يقول شهريار في أحد المواضع من المسرحية موجها حديثه إلى شهرزاد: «أنت لست امرأة ككل النساء.» فإذا ما أجابته قائلة: «أتمدحني أم تذمني؟» كان تعقيبه هو هذا المفتاح الأول: «لست أدري، بل قد لا تكونين امرأة!» ومفتاح آخر عندما يقول شهريار أيضا كاشفا عن قلقه وحيرته: «إن شهرزاد مثل الطبيعة، تبدي لنا محاسنها وتخفي عنا أسرارها.» ومفتاح ثالث في موضع ثالث، حين يقول معبرا عن شكه ويأسه: «لست أحب الجلوس إلى هذه الأرض؛ دائما هذه الأرض، لا شيء غير الأرض، هذا السجن الذي يدور، إنا لا نسير، لا نتقدم ولا نتأخر، لا نرتفع ولا ننخفض، إنما نحن ندور، كل شيء يدور، تلك هي الأبدية، يا لها من خدعة؛ نسأل الطبيعة عن سرها فتجيبنا «باللف» والدوران!»

هذه المفاتيح الثلاثة وغيرها مضافة إلى اتجاه المضمون الفكري في جملته، تطلعنا على جوهر الفكرة الرمزية؛ وهي أن شهرزاد قد رمز بها توفيق الحكيم إلى سر الطبيعة، أو سر الأبدية، أو سر الوجود على أي تسمية من هذه التسميات؛ ومن هذا المنبع الرمزي تدفقت كل الرموز الأخرى في المسرحية، حيث يصبح شهرزاد رمزا أصيلا لهذه المجموعة البشرية، التي تنظر إلى سر الطبيعة من نافذة «العقل»، فتتعرض تبعا لذلك لهزات عنيفة من أعاصير الشك والقلق والحيرة، وحيث يصبح قمر رمزا آخر لتلك المجموعة البشرية، التي تنظر إلى سر الطبيعة من نافذة «القلب»، فهي عنوان صادق لذلك الإيمان الأعمى، الذي يسلم بكل ما يراه، وحيث يصبح العبد رمزا ثالثا لمجموعة بشرية ثالثة، لا تنظر إلى الطبيعة إلا من نافذة «الحواس»، فهي أسيرة المظهر المادي الذي يعود عليها بكل متعة حسية ، ومن هنا آمن العبد بجسد شهرزاد فاستمتع، وآمن قمر بقداسة شهرزاد فاطمأن، وشك شهريار في هذه القداسة فشك في حقيقة شهرزاد كلها، ومضى يجوب الأرض باحثا عن سرها فلم يظفر بغير الإخفاق، وهذه النهاية تعد في رأينا طبيعية بالنسبة إلى كل النماذج البشرية التي يمثلها شهريار، وبالنسبة إلى المضمون الاتجاهي الذي تمثله مسرحية توفيق الحكيم؛ لأنه مضمون «وجودي» بحت، يرمز إلى الموقف الكوني للإنسان، بصورة لا يمكن أن تتسع لأي خط اجتماعي هادف؛ مما يتعذر معها أن يوصف الكاتب بأنه كان سلبيا أو قريبا إلى السلبية.

ومن الجوانب الموقفية التي يدور حولها الخلاف بيننا وبين المؤلف، هذا الحوار مثلا كما أطلقه توفيق الحكيم على لسان كل من «بجماليون» و«جالاتيا»، حيث يقول بجماليون: «معاني التقدير لمحتها في عينيك هذا الصباح، وأنت تنظرين إلى أولئك الحطابين في الغابة، والعرق يتصبب من جباههم.» وتقول جالاتيا معقبة على هذا الاعتراض: «كل كد جدير بالتقدير.» فيقول بجماليون مرة أخرى محددا موقفه: «كل زوجة لا تستريح حتى ترى جبين زوجها يتعفر بتراب العمل والشقاء، إنك تعرفين أني لست في حاجة إلى أن أعمل وأشقى.» وهنا يصدر الدكتور القط حكما نهائيا على اتجاه الكاتب في نطاق هذا الجانب الموقفي، فيقرر أن توفيق الحكيم: «قد جعل اضطرار الناس إلى العمل رمزا لما في الحياة من تبذل وامتهان، وهو رأي يمثل فكرة الفنان الذي يعيش في برجه العاجي، دون أن يحس بما للعمل من فضل على الحياة وعليه هو نفسه، حين يهيئ له ذلك البرج العاجي الأنيق، الذي يعيش فيه بمعزل عن الكادحين.»

كلمات في الأدب · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٣٦