والمؤلف بعد العرض الأمين لمضمون هذه القصص الثلاث: «إني راحلة» و«أزهار الشوك» و«بعد الغروب»، وهو العرض القائم على التلخيص بما يتخلله من وقفات نقدية متأنية أمام الأخطاء والمآخذ في محيط الاتجاه والتكنيك، ينتهي إلى أن هذه القصص:
قد اتفقت اتفاقا طريفا في رسم الشخصيات وبناء الأحداث، فالشخصيات جميعها سالبة، والصراع لا وجود له، والمصادفة هي التي تحرك الأحداث وتتحكم فيها، وثقافة المؤلف تظهر بوضوح تام وتطغى على تفكير الشخصيات الروائية، وسلوكها الذي يتسم بقدر كبير من المثالية الزائفة. وهذا الاتفاق لا يمكن أن يكون نتيجة اتباع لمذهب معين، أو تفضيلا لأسلوب خاص في القصص، بل هو تعبير عن السلبية الغالبة في المجتمع بمثلها وقيمها الخلقية، وهو تعبير عن تلك السلبية الكامنة في شخصيات المؤلفين أنفسهم، إذ كانوا جزءا من مجتمعهم يدينون بما يدين به.
إزاء هذا الرأي - وعلى ضوء دراستنا الشخصية لهذه القصص الثلاث - لا نملك إلا أن نوافق المؤلف على ما ذهب إليه؛ والواقع أننا إذا ما أردنا أن نبحث عن مناطق الفراغ في الوجود الفني لأصحاب هذه القصص، لأدركنا بعد جولة فكرية دارسة أن هذه المناطق متشابهة من حيث الشكل، تبعا لوحدة المسالك المؤدية إلى حقيقتها الموضوعية. فالمؤلفون الثلاثة مثلا يتفقون في أن كلا منهم، لا يلم إلماما كافيا بالمنهج التصميمي لكتابة القصة، وذلك لضآلة الثقافة الفنية في هذا المجال من جهة، ولانعدام الممارسة العملية لأي تجربة إبداعية من جهة أخرى، وينتج عن هذه الظاهرة أنهم يكتبون القصة بأسلوب اجتهادي، لا تستطيع الموهبة - حتى ولو توفرت لهم - أن تملأ بقية الجوانب في منطقة الفراغ. بل ويترتب على نفس الظاهرة أيضا، تكرارية هذا الأسلوب الذاتي بصورة ملحوظة، بحيث تصبح أعمالهم القصصية - رغم تنوعها الموضوعي - نسخا مكررة من ناحية التصميم الفني العام؛ وفي رأينا أن عنصر السلبية الاتجاهية كما حدده المؤلف في نقده لهذه القصص الثلاث، يرجع إلى ضعف القابلية التطورية لدى المؤلفين من ناحية التجاوب الاجتماعي الصاعد، كنتيجة مباشرة لضعف القابلية نفسها، من ناحية التفاعل الفني مع المفاهيم الأدبية الجديدة. ولا بد من نقلة أخرى تدفعنا إلى أن نقف مع المؤلف - متفقين حينا ومختلفين حينا آخر - أمام المسرح الذهني لتوفيق الحكيم.
إن السلبية في مسرحية «أوديب»، ومن دور التجاربخلال العدسة المقربة في منظار المؤلف، تتلخص في أن القالب الفكري الذي صب فيه توفيق الحكيم تركيبة أوديب الإنسانية، لا يصلح كرمز لذلك الترقب الإنساني - بقيمه الهادفة - لانبلاج صبح الحقيقة؛ ذلك لأن أوديب في هذه المسرحية قد شارك «ترسياس» في مؤامرة، أخفيت فيها الحقيقة عن الشعب، وخدعت عنها حتى زوجته وأولاده، وعاش هذا الباحث عن الحقيقة سبعة عشر عاما في ظلال زيف متصل الحلقات. هذا بالإضافة إلى أن الكاتب لم يعالج الاتجاه المسرحي، بمحاولة تخليصه من الجبرية الصارمة والقدرية المهزومة. أما السلبية في «أهل الكهف» فتتركز في ذلك الصراع الرئيسي، الذي أقامه توفيق الحكيم بين القلب والزمن ... بين الثلاثمائة عام التي قضاها «ميشيلينا» في ظلام الكهف، وغيرت طعم القيم الحياتية في فم وجوده بعد البعث، وبين قلب «بريسكا» الذي طوى القرون الثلاثة، ليصل الماضي بالحاضر في قصة حب مثيرة. لقد أراد الكاتب لهذا القلب أن ينتصر على الزمن، فأنهى الصراع بانتحار «بريسكا»، بأن دفنت نفسها حية مع «ميشيلينا»، ليتم الاتحاد العاطفي في عالم الموت، بعد أن عجزت يد الحياة عن صنع هذه المعجزة؛ إنه ليس انتصارا في رأي الناقد، ولكنه صورة مجسمة للهزيمة، هذا إلى جانب بعض مظاهر السلبية الأخرى في الحوار، مثل إشارة الكاتب إلى إخفاق مصر في مقاومة الزمن وانتقام التاريخ. وإذا ما سعينا وراء السلبية في «بجماليون» فهي هناك، في ذلك الصراع الذي أدار الحكيم أحداث المسرحية ومواقفها حول محوره، وهو الصراع بين المثل الأعلى والواقع المادي بالنسبة إلى الفنان، حيث ينتهي هذا الصراع أيضا بأن يحطم المثال تمثاله الرائع، ثم يفارق الحياة وهو يسير في قافلة من اليأس، كان حداؤها الشك والفرار من مواجهة القوى الدافعة. والحق أن المؤلف في دراسته لعناصر السلبية في هذه المسرحيات الثلاث، قد بذل جهدا ملحوظا في رصد هذه العناصر، وتحليلها على ضوء المفاهيم الإيجابية التي حددها كمقاييس في مقدمة كتابه، ومع ذلك فلا مناص من أن نختلف معه في بعض الجوانب الموقفية، التي سلط عليها أضواءه الكاشفة «من بعيد»، وأن نختلف معه مرة أخرى في تفسيره للفكرة الرمزية في «شهرزاد»، وما ترتب على هذا التفسير من حكم ظلمت معه في رأينا الحقيقة الفنية.