تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القسم الأول من الكتاب خصصه الدكتور القط لدراسة «السلبية في القصة المصرية». أما النماذج التي اختارها من الإنتاج الأدبي المعاصر، ليسجل من خلالها مظاهر تلك السلبية، فهي أربع مسرحيات ذهنية لتوفيق الحكيم تتمثل في «أهل الكهف» و«بجماليون» و«الملك أوديب» و«شهرزاد» ... ثم ثلاث قصص طويلة هي: «أزهار الشوك» لمحمد فريد أبو حديد، و«إني راحلة» ليوسف السباعي، و«بعد الغروب» لمحمد عبد الحليم عبد الله. وطريقة المؤلف في عرض العمل الفني ودراسته ونقده تعد في جملتها سليمة، ما دامت محصورة في نطاق الزاوية التي اختارها لتلك الدراسة، ونعني بها زاوية السلبية؛ ولهذا فقد كان منصفا لبعض منقوديه - كتوفيق الحكيم مثلا - حين قال في مقدمة كتابه: ... ولم أقصد من دراسة ما درست من كتب، أن أتناول جميع جوانبها، وأحلل كل عناصرها الفكرية والفنية، ولكنني اتخذت كل مجموعة منها مثالا لاختلاط بعض مفاهيم الأدب عند منشئيه في تلك الفترة الحرجة من حياتنا الأدبية. وقد يكون في بعض القصص التي اخترتها موضوعا لبحث السلبية في القصة المصرية مثلا، وصف فني جميل أو تحليل نفسي عميق، أو أسلوب قصصي جيد في بعض المواضيع، ولكنني لم أشر إليه ولم ألتفت إلا إلى تلك العناصر، التي توضح الفكرة التي من أجلها اتخذت تلك الأعمال موضوعا لهذه الدراسة.

وعلى هذا الأساس سار المؤلف في طريقه متجها نحو الهدف الذي حدده في تلك الكلمات. ولكنه قبل أن يصل إلى هدفه يعرج على بعض القيم والمفاهيم المتصلة بجوهر السلبية والإيجابية، كوجهة نظر فنية ترتكز عليها مقاييسه وأحكامه في مرحلة الدراسة والتطبيق؛ وفي هذا المجال الجوهري نقف مع الدكتور القط حين يقول:

والقصاص حين يصور الحياة يستطيع أن يختار نماذجه من بين الإيجابيين أو السلبيين أو منهما معا، ولكنه بعد ذلك مطالب بأن يضع هذه النماذج تحت ضوء خاص، يخلق لها دلالات جديدة ويبث فيها معاني طريفة، تجعل من قصته حافزا إلى الحياة ومنبها إلى ما فيها من خير وشر، بحيث يخلق في نفوس قارئيه وعيا قويا بمجتمعهم ومشكلاته، ونفوسهم وحقيقة ما يعتمل فيها من أحاسيس. وهكذا يكون الفن - إلى جانب المتعة الجمالية - دافعا إلى التطور باعثا على اليقظة العقلية والنفسية، لا مجرد تسلية محضة فحسب. ومن اليسير على القصاص أن يصور النماذج الإيجابية لتجتمع فيها كل هذه الصفات والمعاني، إذ إنها بطبيعتها قادرة على ذلك مستجيبة لما يبثه الفنان فيها من حياة وإيحاء؛ وقد يستطيع القصاص أن يصور الشخصيات السلبية على وجه يتحقق معه ما ينبغي للفن من وظيفة إنسانية اجتماعية وعناصر جمالية؛ وذلك بأن يثير حول تلك الشخصيات من الأفكار والأحاسيس ما يثيره حول الشخصيات الإيجابية القوية، إذا أثارنا على ضعفها أو خلق تعاطفا مع هذا الضعف. وهو يستطيع أن يثيرنا على ضعفها، إذا لم يرسمها مجرد شخصيات وانية فاترة تمضي حياتها رتيبة مملة، بل يخلق لها من المواقف والأحداث ما ينفرنا من عجزها وسلبيتها، ويثير فينا احتقارا لها وازدراء لشأنها. ويستطيع أن يثير فينا تعاطفا مع ضعفها، إذا رد هذا الضعف مثلا إلى عوامل نفسية قاهرة، لا تستطيع الشخصية منها فكاكا، فهي كالمغلولة تريد الانطلاق ولا تجد إليه سبيلا.

هذه الصورة النقدية التي رسمها المؤلف، لما يجب أن يكون عليه المضمون الفني والاجتماعي في القصة، لا تختلف عن الصورة التي نرتضيها ونريدها لمثل هذا المضمون؛ فهو مثلا لم يغفل عن وجوب العناية بالناحية التكنيكية - وهي التي عبر عنها بالمتعة الجمالية - إلى جانب العناية بالناحية الاتجاهية؛ ذلك لأنه يؤمن معنا بأن التضحية بالأصول الفنية لكتابة القصة في سبيل إبراز مضمون قصصي ملتزم، هي في الواقع تضحية بهذا المضمون نفسه، حين يقف «وحده» عاجزا عن إتمام عملية حفر عميقة في كيان مجتمع قابل للتطور. وهو من جهة أخرى لم يقصر نجاح الالتزام القصصي على تصوير الشخصيات الإيجابية، الثائرة بطبيعتها على أوضاع اجتماعية معينة، بل جعل المرجع في ذلك إلى قدرة القصاص نفسه على الإيحاء والتوجيه والإثارة، بمعنى أن هذا القصاص يستطيع أن يشيع في أعماق القارئ كل هذه القيم الإيجابية، ولو كان أبطاله من السلبيين، وحسبه في ذلك أن يقدمهم من خلال أحداث ومواقف تجسم فيها المشكلة، بحيث نثور نحن من أجلهم ولو كانوا هم في حالة ضعف وعجز عن الثورة؛ وعلى هذا الأساس الأخير مضى المؤلف ليناقش في غير تجن ولا مجاملة، ما وقع عليه اختياره من أعمال توفيق الحكيم ومحمد فريد أبو حديد، ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله.

كلمات في الأدب · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٣٤