تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا ما تخطينا الإخلاص في المراقبة إلى الإخلاص في المعرفة، فقد بلغنا المنطقة التي تتركز وراء حدودها المبدئية قيمة من القيم هي «حرمة الثقافة». وحرمة الثقافة تفرض على الناقد، ألا يحبس فهمه داخل سرداب ضيق من سراديب المذهبية الباحثة، وألا يحصر نظرته داخل منظار متعصب من مناظير الذاتية المتذوقة، إذا ما حاول أن يصدر حكما نهائيا على أعمال الآخرين؛ ذلك لأن المنظار المتعصب يدعو بطبيعته إلى تقييد الرؤية الفنية، بحيث لا ينظر إلى العمل الأدبي إلا من خلال عقيدة معينة؛ ولأن المذهبية الضيقة من شأنها أن تجمد الملكة الناقدة، بحيث لا يقيم الأثر الفني إلا على أساس فهم خاص. وهنا يكمن الخطأ الآخر الذي يدفع النقد المصري - عند بعض النقاد - إلى إغفال قيمة التكنيك تعصبا للاتجاه، أو إلى التضحية بالشكل في سبيل المضمون.

ويبقى بعد هذا خطأ ثالث يرتكبه هذا اللون من النقد المصري المعاصر، وهو «مجاملة» الاتجاه السياسي الذي يدين به الأديب؛ لأن الناقد مثلا يدين بنفس الاتجاه. والمجاملة هنا مصدرها تعمد المناصرة للعقيدة الفكرية، حتى لا تتعرض هذه العقيدة لهزات الشك، إذا ما تعرض الأثر الفني للنقد العادل. ومن هذه النقطة تنبع قضية الضمير الأدبي، الذي نعده الدعامة الرئيسية لكل تقييم صحيح؛ فقد يكون الناقد بصيرا بمجموعة الأخطاء والمآخذ في العمل الفني، ولكنه يغض الطرف عن تلك الأخطاء والمآخذ؛ اتقاء لخذلان الأديب المنتج، تبعا لأن إنتاجه يعد بمنزلة اللسان المعبر عن الوجود العقائدي لكل من الأديب والناقد. وهذا بالطبع على حساب القيم الفنية حين تكون بعيدة عن مراجعة الضمير.

هكذا يسير النقد المصري في الطريق الذي رسمه له بعض النقاد. والنتيجة هي أن أسواق الأدب قد استقبلت في هذه الأيام، مجموعة جديدة من الثمار الأدبية غير الناضجة؛ لأن تربة الإنتاج في حقل الشعر والقصة على الخصوص، قد سمدت بسماد نقدي غير مناسب، أو لأن المشرفين على التربة يهمهم أن تمتلئ السوق بهذا النوع من الثمار، بصرف النظر عن خطورة كل عملية قطف قبل الأوان. ونحن الذين نؤمن بقيمة أدب الكفاح في سبيل خلق حياة أفضل، حياة تسودها القيم الهادفة إلى تمجيد كرامة الفرد، كعنصر تكويني هام في بناء المجتمع، نشعر أن قضية هذا الأدب هي قضية التركيب الفني السليم، الذي لا يتاح بغيره أن يشق المضمون الاتجاهي مجراه إلى نفوس الجماهير؛ ولهذا قلنا إن حياتنا الأدبية في حاجة ملحة، إلى محاولات مخلصة في ميدان النقد، حتى يكون للتوجيه النقدي المدرك أثره الفعال في قيادة الإنتاج.

ونحن اليوم أمام محاولة نقدية جديدة، محاولة سلمت من الأخطاء السابقة، فاستحقت أن نصفها بالإخلاص؛ ذلك لأن الدكتور عبد القادر القط في كتابه الذي أصدره منذ قريب، تحت عنوان «في الأدب المصري المعاصر»، قد راعى في كثير من الإنصاف أن يطبق مقاييس النقد المتطورة، على إنتاج أدبي ينتسب إلى مرحلة اجتماعية متطورة؛ ولهذا تجنب أن يطلق أحكاما عامة على منقوديه من الأدباء في جملتهم، حين ركز أحكامه عليهم في حدود الأعمال الأدبية التي تناولها بالنقد والدراسة؛ وهو في تقييمه لتلك الأعمال ينظر من خلال منظار، يرى ويقف فوق أرض محايدة، هناك حيث لا مجال للتعصب المذهبي ولا تودد للعقيدة الفكرية، مما يقتضي عند غيره أن يصدر الرأي أو نقيضه، وكلاهما رمز صادق للتجني أو المجاملة. فالمؤلف - على ضوء معرفتنا به - لا تربطه بمنقوديه صلات شخصية أو عقائدية من صداقة أو خصومة، وإنما تقوم الصلة بينه وبينهم على أساس من الإنكار لظاهرة فنية أو اتجاهية، لا ترضي الميزان النقدي العادل، أو أساس من الإعجاب بظاهرة أخرى تبدو وهي راجحة في حساب الوزن والتقييم. والمؤلف معرض في بعض المواضيع من كتابه لأن نختلف معه تبعا لأننا سننكر عليه بعض آرائه، ولكنه الإنكار الذي يرجع إلى اختلاف وجهات النظر، وليس إلى أنه قد أبصر الحقائق ثم أغمض عينيه؛ كما يفعل الآخرون.

كلمات في الأدب · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٣٣