بني وطني والحادثات ملمة
فما لي أرى هذي العيون غوافيا؟!
ألا فانهضوا نبني الحصون موانعا
ونعلي على مر العصور المبانيا
ونرسي على أس العلوم مدارسا
توجه أميال البنين الجوافيا
ونرفع في هذي البلاد مصانعا
تضم إليها العاملات الأياديا
ونكشف عن هذي السماء غيومها
فتبصر وجه الأفق أزهر صافيا
فيا لك أحلاما إذا ما تحققت
رضيت حياتي أن تكون ثوانيا
هنا شاعر اليوم والغد، شاعر الحاضر المشهود وشاعر التطلع إلى المستقبل، والخطاب موجه إلى وطنه العربي الكبير، وآماله المستقبلية تحلق في أفق التسليح والتثقيف والتصنيع، كوليد شرعي لوعي الرؤية العقلية البعيدة؛ إنها تجربة أحلام أمسية معاشة، وهي تعاش اليوم كتجربة واقع يومي محقق. ولا حاجة بالشاعر - في سبيل أمنية الأمس - إلى أن يكون الثمن المقابل هو التضحية بالحياة، وعلى امتداد التجاوب والتعاطف مع كل بقعة من بقاع العروبة، تلوح له الأرض العربية المقدسة للوطن السليب.
يا جهادا صفق المجد له
لبس الغار عليه الأرجوانا
شرف باهت فلسطين به
وبناء للمعالي لا يدانى
إن جرحا سال من جبهتها
لثمته بخشوع شفتانا
وأنينا باحت النجوى به
عربيا رشفته مقلتانا
نحن يا أخت على العهد الذي
قد رضعناه من المهد كلانا
يثرب والقدس منذ احتلما
كعبتانا وهوى العرب هوانا
قم إلى الأبطال نلمس جرحهم
لمسة تسبح بالطيب يدانا
قم نجع يوما من العمر لهم
هبه صوم الفصح، هبه رمضانا
إنما الحق الذي ماتوا له
حقنا، نمشي إليه حيث كانا
في هذين النموذجين يعيش الأخطل الصغير، تجربة الجموع العربية في وطن بلا حدود؛ والشعور بالقومية في النموذج الأخير هو مركز التجربة وقلبها النابض، حين يلتقي معنى الجوع الديني المشترك من أجل فلسطين في وجدان الشاعر، بمفهوم وحدة الأرض واللغة والتاريخ والتقاليد. أما تجربة الجموع العربية في الوطن الذي وضع نقطة البداية لوجوده الإنساني، لبنان، فهي هنا مجسمة في هذه الزفرة التي أطلقها بشارة الخوري في يوم له تاريخ؛ وما أكثر أيام وطنه التي أذاقته طعم الغناء والبكاء.
لبنان عيد ما أرى أم مأتم؟
لله أنت وجرحك المتبسم!
عصروا دموعك وهي جمر لاذع
يتنورون بها وصبحك مظلم
قل للرئيس إذا أتيت نعيمه
إن يشق رهطك فالنعيم جهنم
أيطوف الساقي هنا بكئوسه
ويزمجر الجابي هناك ويرزم
تعرى الصدور هنا على قبل الهوى
وهناك عارية تنوح وتلطم
والكهرباء هنا تشع شموسها
وسراج أكثر من هناك الأنجم؟
وهو بعد ذلك شاعر الدعوة إلى العمل؛ وشاعر الدعوة إلى الحياة، والحياة من وراء منظاره سلوك جاد وأيد خشنة، وسعي متصل وميدان للتضحية:
نشء لبنان هذه راية الأرز فإما الفداء بالنفس أو لا
قم نخشن منا اليدين فلا نحصد حقلا إلا ونزرع حقلا
الأكف اللدان من شغف الغيد فحدد منهن للحق نصلا
شقيت أمة إذا الجد ناداها تلوت على الأسرة كسلى!
هذا هو الأخطل الصغير بناحيته الفنية والالتزامية؛ كصاحب طابع شعري متميز، وكصاحب موقف اتجاهي واضح المعالم، وحسبنا هذه النماذج من شعره لتتحدث عنه وتشير إليه.
| في الأدب المصري المعاصر
حياتنا الأدبية في حاجة ملحة - ومنذ حين - إلى محاولات مخلصة في ميدان النقد؛ وعندما نقول مخلصة فإنما نعني الإخلاص في المراقبة وفي المعرفة، وفي التقسيم المستند إلى أساس من هذه وتلك، وإلى أساس آخر من مراجعة الضمير. أما الإخلاص في المراقبة فيفرض على الناقد، أن يكون متتبعا لخط سير الحياة الأدبية، ذلك التتبع اليقظ الذي يربط بين طبيعة الواقع الاجتماعي، في كل مرحلة من مراحل التطور الإنساني، وبين طبيعة الواقع الإنتاجي في كل مرحلة من مراحل التطور الفني. وبهذه الجزئية من المحاولة المخلصة ككل، يمكننا أن نضمن سلامة التقييم لكل أثر من آثار الفن، بالنسبة إلى ارتباط هذا الأثر بمفاهيم عصره وإمكانيات بيئته، تلك التي حددت ملامحه الفنية ورسمت خطوطه الاتجاهية، عندئذ يتلافى النقد ذلك الخطأ الناتج عن تطبيق مقاييس هي نتاج عصر أدبي بعينه، على عصور أخرى سابقة رغم اختلاف الظروف والمقومات. ولا يخطئ بالتبعية حين يزن إنتاج شاعر أو كاتب في جملته، بميزان مرحلة معينة تمثل تعريجة واحدة من خط سير فني يزدحم بالمنعطفات والتعاريج.