تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماذا؟ أحقا كنت بي تهزئين

وكنت في حبك لي تكذبين

لم تخدعيني مطلقا إنما

نفسك يا هذي التي تخدعين

منعت حبي عنك لكنما

منحت عفوي شيمة الأكرمين

مهلا فمصباحك لم يتألق

إلا بما من شعلتي تقبسين

مهلا فإني مثل ذاك الذي

في عرس قانا أدهش العالمين

صيرت خمرا آسن الماء في

نفسك: خمرا ينعش الشاربين

وليمة كانت لنا في الهوى

أكثرت فيها عدد المعجبين •••

هل كنت في أبهى ليالي الهوى

أيام كنت فتنة الناظرين

هل كنت إذ ذاك سوى آلة

ألحانها مني ومنها الرنين؟

أنشدت أحلامي على فارغ

من خشب القلب الذي تحملين

كالنغم الرنان في آلة

فارغة تحت يد الضاربين

الأبعاد التحليلية في هذه المراحل الثلاث من مراحل التجربة، مضغوطة إلى درجة الاختزال ... وما دام الشاعر قد وضعنا أمام تجربة «بجماليونية»، تتحول فيها المرأة «التمثال» إلى امرأة «حية»، يتدفق في كيانها الرخامي - بفضل لمسات الفنان - كل معاني النبض والحركة، فقد كنا ننتظر من بجماليون الشاعر أن يحدثنا - بشيء من التفصيل - عن دوره الإحيائي للرخام البارد، وكيف تنكر له الرخام الحي، حتى قد قرر في النهاية، أن يقف من تمثاله هذا الموقف الذي يشبه التحطيم:

والآن سيري في الطريق الذي

شئت فلي أيضا طريق أمين

سيري ولا تنسي بأن تستري

إن كنت تستحين، ذاك الجبين

مأدبة أفرغت كأسي بها

وقمت عنها لا كما تزعمين

ففضلة الكأس التي عفتها

تركتها للخدم الساقطين

ما الذي نريد أن ننتهي إليه من وراء هذه الجولة النقدية الدارسة؟ هو ما قررناه في البداية من أن بشارة الخوري - من خلال هذه النماذج وكواحد من شعراء المدرسة الثانية - وجه فني أصيل ومتميز؛ لا يمكن أن تخطئه العين الفاحصة؛ هو على هذه الصورة بالرغم من كونه شاعر اللوحة، وليس شاعر التجربة. ويتضح من هذه الدراسة أنه يعيش تجاربه، ولكنه يعيشها بطريقته الخاصة التي تكسب لوحاته أولوية التفوق من الناحية الفنية، تبعا لاكتمال الموهبة عند الشاعر الرسام، أكثر من اكتمالها عند الشاعر المفكر؛ وإذا كان هناك جانب النقص فهناك جانب التعويض؛ وفي ميدان الإضافة إلى هذا الجانب الأخير، إنه واحد من الأساتذة القلائل في شعرنا المعاصر، بالنسبة إلى ارتفاع المستوى التركيبي للجملة الشعرية.

أما حين نسلط عليه الضوء كواحد من شعراء المدرسة الأولى - وعلى مدار شعر الترديد والتقليد - فإننا لا نستطيع أن نحدد قسمات وجهه الشعري في غمرة الزحام؛ إن وجهه يختلط أحيانا بوجه شوقي، ويختلط بوجه مطران، ويختلط أحيانا بوجوه أخرى في شعرنا العربي القديم. ونفس الظاهرة تنسحب على كل شعراء تلك المدرسة، ولا تقتصر على الأخطل الصغير:

عش أنت إني مت بعدك

وأطل إلى ما شئت صدك

ما كان ضرك لو عدلت أما

رأت عيناك قدك؟!

وجعلت من جفني متكأ

ومن عيني مهدك

أي شيء هنا يميز بشارة الخوري من ناحية الشكل والمضمون؟ إننا نواجه شعر «الأكلشيهات» اللفظية، التي تحمل طابع النسخة المكررة، ومن وراء هذا المطلع التقليدي للقصيدة، نستطيع أن نلمح وجه البهاء زهير؛ الشاعر المصري القديم وهو يقول:

تعيش أنت وتبقى

أنا الذي مت حقا

هذا الموت «الرومانتيكي» كان بعدا رئيسيا، من الأبعاد الموضوعية لشعر الغزل عند شعراء المدرسية الأولى، وهو مظهر من مظاهر التبعية لقافلة الغناء العربي المتوارث، حيث تتفرع من نقطة البداية في إيقاع رتيب كل أنغام الحداة المتشابهة. وبشارة الخوري - كواحد من هؤلاء الحداة - يتغنى مرة أخرى برومانتيكية الموت، ليذكرنا بقصيدة «أزواد بيت الله» للعباس بن الأحنف:

بلغوها إذا أتيتم حماها

أنني مت في الغرام فداها

واذكروني لها بكل جميل

فعساها تبكي علي عساها

واصحبوها لتربتي فعظامي

تشتهي أن تدوسها قدماها

ويبقى بعد هذا كله من الناحية الاتجاهية؛ من ناحية الحكم عليه كشاعر صاحب موقف من قضايا مجتمعه الذي يعيش فيه. إن الشاعر كفنان - في مجال العرض والتقييم - لا يمكن أن نفصله عن الشاعر كملتزم، كمرتبط بمشكلات الجموع بصورة أخلاقية؛ في هذا المجال نجد تجاوبا واضحا وتعاطفا أصيلا، بين الكيان النفسي للشاعر وبين الكيان القومي للبنان، كوطن محلي لوجوده الذاتي، وكوطن عربي لوجوده الإنساني الكبير، ولك أن تلقاه في «وكر النسور»، وفي ختام «سلمى الكورانية» وفي «نحن والموت صاحبان»، وفي «غنيت للشرق الجريح» وفي «لبنان عيد ما أرى»، وفي «غصة الشراب» وفي «ليالي الجهاد»، وفي «ثورة من دمنا» وفي «يا أمة غدت الذئاب»؛ وأخيرا في «بني وطني» و«صدى القبلات»:

كلمات في الأدب · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٣١