وما نقوله هنا نقوله عن لوحة «ندى» وهي في الخامسة؛ إنها - في منظار الشاعر - بسمة الورد، وهمسة الطهر، وشعلة الحب، ووشاح الجمال، وأخت الفراشات. ولكن الأخطل الصغير يهزنا بعنف في ختام المقطوعة الأخيرة، يهزنا لأنه قد أعطانا على الأقل «خلاصة» التجربة؛ أعطانا مرحلة التبلور النهائي لوقع اللحظة الزمنية - لحظة سن الخامسة - على وجوده الداخلي كإنسان، هذا الواقع مجسم بانفعال صادق ومركز، في الأبيات الثلاثة النهائية من هذه المقطوعة:
نداي! من سلسل الخم
ر في الثنايا العذاب؟
من صفف الشعر فوق ال
جبين سطر كتاب؟
رددت لي بعد يأسي
حلم الهوى والشباب
من أنت؟
الله الله لما
عضت على العناب
وصفقت بيديها
وغمغمت بالجواب
سل الرياحين عني
وسل حنين الرباب
بقدر ما كانت «ندى» - في بداية العمل الشعري - انعكاسا لتكوين جمالي، عبر رؤية البصر والتخيل، أصبحت - في نهاية هذا العمل - وهي انعكاس لتكوين وجودي عبر رؤية الشعور والفكر ... اللحظة التي تعض فيها الطفلة على الشفتين، وتصفق باليدين، وتغمغم بالكلمات، معناها بالنسبة إلى الأب، أن وجوده الإنساني قد بدأ بصورة منطقية، من نقطة البدء الحقيقي لهذا الكيان الطفولي الذي ينتسب إليه؛ إنها عملية إثبات للوجود، وظاهرة امتداد ونفي للعدم، وكل هذا نستطيع أن نستشفه من خلاصة التجربة أو من مرحلتها النهائية، وهو في الوقت نفسه يؤكد لنا مدى الخسارة التي يمكن أن تلحق بالشعر، إذا لم تكتمل لتجاربه كل المراحل الزمنية لارتباط الفكر بالحياة.
وليس معنى هذا أن شعر بشارة الخوري يخلو من التجربة؛ تجربته الذاتية أو تجارب الآخرين، ولكن المشكلة هي طغيان اللوحة واحتلالها أكبر حيز من الموضوع الشعري، مما ينتج عنه أن ينكمش مضمون التجربة، فيصبح وهو تعريجة نفسية في مرحلة العبور الفكري للحظة زمنية، يقتضي الوصول إليها أن نسلك الكثير من المنحنيات، وإذا عثرنا عنده على تجربة لا تطغى عليها اللوحة، واجهتنا مشكلة الأداء التكنيكي الذي يعرضها من خلال تصميم بنائي مترابط، تبدو فيه مراحل التجربة وهي وحدة عضوية متناسقة. ومن نماذج التطبيق التي يمكن أن تجسم لنا هذه المشكلة، تجربته المعاشة عن طريق «الذات» في قصيدته «إلى امرأة»، وتجربته المعاشة عن طريق «الآخر» في قصيدته «رب قل للجوع». النموذج الثاني مثلا يقدم لنا تجربة فتاة شريفة، مات أبواها ولم يتركا لها غير ثروة ضخمة من الجمال، تعادلها في الضخامة ثروة من الفقر؛ وموطن التجربة لبنان وأرضيتها الزمنية أيام الحرب، وتنتهي مراحل الصراع بين الجمال الشريف وبين ذل الحاجة، إلى أن تغامر الفتاة بذهابها إلى قصر الحاكم - مخدوعة بكلمات قوادة عجوز؛ لتلتمس لنفسها ولأخيها الصغير، ما يعينها على الصمود في معركة الجوع، وهناك داخل حجرة مغلقة، أعطت الفتاة قبل أن تأخذ؛ أعطت شرفها وهي مرغمة.
لو اكتسب الأداء التكنيكي شيئا من النضج في هذه القصيدة، لأتاح لمراحل التجربة أن تكون خيوطا حية لنسيج عضوي موحد، فبدلا من أن يهيئ الشاعر لهذه المراحل أن تتتابع - في خط سير نموها الاطرادي - دون حركة انفصال معوقة، رأيناه يقطع خط السير في بعض المواضيع ليفسر موقفا أو يعلق على حدث؛ ومن الطبيعي أن ينتج عن هذا التدخل المتكرر أن تظهر الفجوات في البناء العضوي للتجربة، لتحول بين خيوطها الناسجة وبين وحدة التماسك. وإذا عدنا إلى نموذجه الشعري الأول بما فيه من تجربة ذاتية، لمسنا اختلافا جوهريا فيما يتصل بالأداء التكنيكي المناسب، فبقدر ما نشاهد هناك من انفصال بين اللحظات الزمنية، الرامزة إلى مراحل التجربة، نشاهد هنا - في قصيدة «إلى امرأة» - من الإسراف في الترابط مظهرا من مظاهر الضغط الذي يصيب الأبعاد التحليلية لكل مرحلة بشيء من التقلص والضمور، وتتراءى لنا - تبعا لذلك - كل المراحل وهي مجموعة من المفاتيح، أكثر مما تتراءى لنا وهي مجموعة من الغرف المفتوحة.