أخاك يا شعر فهذا عمر
وهذه «نعم» وتلك الذكر
لوحان من فجر الصبا وورده
غذاهما قلب وروى محجر
فرخان في وكر تلاقى جانح
وجانح ومنقر ومنقر
يختلس القبلة من مبسمها
هل تعرف العصفور كيف ينقر؟
وهو إذا أمعن في ارتشافها
علمنا كيف يذوب السكر
رسالة من فمه لفمها
كذا رسالات الهوى تختصر!
الموضوع الشعري في هذه الأبيات، يمثل نقطة البدء الانطلاقية لمجرى التعبير؛ ونشعر أن الحركة تنساب فوق أرضية مبطنة بأحلام التصور، إنها لوحة جزئية ممهدة، يلعب فيها الحلم الشعري دور التحضير لواقع حسي مغيب، الشاعر هنا يحلم بالرؤية؛ الرؤية المجسدة التي يمكن أن يتصور من خلالها حسية العلاقة بين نعم وعمر، على مدار هذه التوزيعات المشهدية.
وفي المقطوعة التالية، يتحول المجرى التعبيري إلى منعطف جديد؛ ينتقل من غيب التهويم إلى حضور المواجهة، وبعد أن كانت حركة التعبير مصبوبة في قالب الحديث عن عمر، غير الشاعر من اتجاهها لتصب في قالب الحديث إلى عمر:
قل لي بنعم وبأتراب لها
يلعبن ما شاء الصبا والأشر
ليلة ذي دوران هل كانت كما
حدثت أم أخيلة وصور؟
ونعم هل كانت كما صورت
أم بالغ في تلوينها المصور؟
يا للمنى أعن يمين كاعب
وعن شمال كاعب ومعصر؟!
فمن هنا حيث تندى الزهر
ومن هنا حيث تدلى الثمر
وأنت لا تألو دعابا في الهوى
شم وتقبيل وأشياء أخر
ويتغير الاتجاه مرة أخرى - في حركة صاعدة - من البعد المكاني للذكريات، إلى تلك الشرفة البعيدة التي تتحول إلى ساحة عرض صغيرة، لبعض جوانب الشخصية النسائية المسهمة في ازدواجية الصورة؛ ويلاحظ أن اتجاه الشاعر الأساسي إلى عملية التصوير من الخارج، هو الذي يدفعه غالبا إلى أن ينظر إلى المرأة من زاوية التكوين الجمالي للوجه والجسد، حيث لا يظفر التكوين النفسي بما يحتاج إليه من سياحة داخلية:
قالوا الحجاز مجدب لما عموا
ونعم فيه روضة ونهر
إن زفت العود أناشيد الهوى
حن لها العود وجن الوتر
أو صفقت للهو في أترابها
ماج لها الوادي وغنى الشجر
الحب مذبوح على أقدامها
والحسن في ألحاظها يكبر
تعرت الشمس على وجنتها
وانشق - لو تعلم أين - القمر
العنب الأحمر مسفوح على
شفتها، ما الأقحوان الأصفر؟
والوردة البيضاء أو قل نهدها
كأنه من خيلاء يسكر
هذه النظرة إلى المرأة كتكوين جمالي مقبولة في الشعر، إذا ما كانت انبثاقا تجريديا لتجربة حسية بحتة، ومقبولة نسبيا في «عمر ونعم»، وغير مقبولة على الإطلاق في «ندى ووداد»؛ ذلك لأن التجربة هنا عاطفية تحتل مكان القمة من مرتفع الإنسانية، إنها تجربة الشعور المتبادل بين عاطفة الأبوة وعاطفة البنوة، تجربة الوجود الإنساني الذي يلغى فيه معنى الإحساس بالعدم، حين يتحقق له امتداده الحياتي المتصل الحلقات بحركة الزمن الدائبة؛ إننا لا نكاد نرى «وداد» ابنة الشاعر وهي في العشرين، إلا من خلال رؤيته البصرية:
يا قطعة من كبدي
فداك يومي وغدي
وداد يا أنشودتي البك
ر ويا شعري الندي
يا قامة من قصب السك
ر رخص العقد
حلاوة مهما يزد
يوم عليها تزد
توقدي في خاطري
وصفقي وغردي
تستيقظ الأحلام في
نفسي وتسقيها يدي •••
عشرون قل للشمس لا
تبرح وللدهر اجمد
عشرون؛ يا ريحانة
في أنملي مبدد
عشرون؛ هلل يا
ربيع الصبا وعيد
وبشر الزهر بأخ
ت الزهر واطرب وانشد
وانقل إلى الفرقد ما
نمنمته عن فرقدي
الرؤية البصرية - في هذه الأبيات - هي الغالبة والمسيطرة؛ وعبر هذه الرؤية تلوح لنا «وداد»، وهي مجموعة من صور التكوين الجمالي: أنشودة وشعر، قامة من قصب السكر، حلاوة زائدة، ريحانة عبقة، زهرة يانعة؛ وهلل يا ربيع واجمد يا دهر، ولا تبرحي يا شمس. الشاعر الأب يسجل أكثر مما يحلل، ولو حدث العكس لاستحالت اللوحة على امتداد الرؤية النفسية إلى تجربة ... تجربة تتفتت فيها تلك اللحظة الزمنية المفجرة لطاقة الانفعال، إلى جزئيات متغيرة ونامية، هذه اللحظة التي تعتبر مركز التفجير الانفعالي، هي تلك التي دار حولها الشاعر بمجموعة من اللفتات الذهنية؛ لحظة الإحساس بالوصول الزمني للابنة إلى سن العشرين. وإذا ما أردنا أن نفتت تلك اللحظة إلى جزئيات، أعني إلى لحظات فرعية ومتولدة، فمن الحتم علينا - ونحن نأخذ مكان الشعر - أن نعيش في قلب اللحظة، لنراقب نموها من الداخل؛ عندئذ تبدو لنا هذه اللحظات الجزئية الوليدة، وهي أشبه بانعكاسات الأشعة المنطلقة من مركز الضوء إلى كل اتجاه، لقد كانت اللحظة الزمنية - لحظة سن العشرين - هي مركز الانطلاق لأشعة الفكر الشعري بالنسبة إلى تجربة الشاعر، انطلاقة إلى الماضي وأخرى إلى الحاضر وثالثة إلى المستقبل، وتلك هي الاتجاهات النفسية التي يمكن أن تلتقي بعد ذلك في نقطة تجمع فكرية، أساسها ارتباط الأزمنة الثلاثة في الوجود الداخلي للطرفين المتقابلين، لنحقق فكرة الشعور بذلك الامتداد الحياتي، المتصل الحلقات بحركة الزمن.