تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعجب الليل منها عندما برزت

تسلسل النور في عينيه عيناها

فظنها وهي عند الماء قائمة

منارة ضمها الشاطي وفداها

وتمتمت نجمة في أذن جارتها

لما رأتها وجنت عند مرآها:

انظرن يا إخوتا هذي شقيقتنا

فمن تراه على الغبراء أنقاها؟

أتلك من حدثت عنها عجائزنا

وقلن إن مليك الجن يهواها

فأطلق المارد الجبار عاصفة

تغزو النجوم فكانت من سباياها؟

قصت نجيمتنا الحسناء بدعتها

عن نجمة الشط والآذان ترعاها

وكان بالقرب منها كوكب غزل

يصغي فلما رآها سبح الله

وراح يقسم إلا بات ليلته

إلا على شفتيها لاثما فاها •••

يا ملعب الشط من «أنفا» أتعلم من

داست على صدرك البازي رجلاها؟

ويا نواتئ من موج ومن زبد

أثنى عليك وحسب الفخر نهداها

والشط في الصيف جنات مفوفة

كم فاخر الجبل العالي وكم باهى

إذا أرتك الجبال الغيد كاسية

فالشط أذوق منها حين عراها

لو قدمت إلينا هذه اللوحة لسلمى الكورانية، وهي غير موقعة أو غير «ممضاة»، أفلا نستطيع أن نضع عليها - دون خوف من الوقوع في الخطأ - توقيع الشاعر، أو إمضاء الأخطل الصغير؟ إن لهذا العمل الفني قيمته التي لا تنكر من الناحية الشكلية، ناحية الإطار القصصي وما يحتوي عليه من صور إبداعية في التعبير، واستخدام الطاقتين كوسيلة موفقة من وسائل التجسيم؛ ولكن كان من المفروض أن يضعنا الشاعر أمام تجربة عاطفية، عاشتها البطلة كموقف متطور، ومارستها كانفعال حي. وتبعا لأن المعايشة الخارجية قد اقتصرت على دور التفاعل الحسي مع الحدث، فقد أثر ذلك على حركة النمو الداخلي لتلك اللحظة الزمنية الطويلة، الحافلة بالصراع والتوتر، لتحيل التجربة في النهاية إلى لوحة مجردة. وبدلا من أن نخرج من موضوعية اللوحة بجوهر المضمون الصراعي لقصة حب مخفق، خرجنا بلمسات سردية سريعة تمثل التخطيط الحدثي لهذا المضمون. ومن خلال رؤية شعرية غائمة، لم نستطع أن نتبين دوافع الانفصال بين سلمى وحبيبها فؤاد؛ لأن الأبيات التالية تضع المفتاح في ثقب الباب ولا تفتح:

وراح يقرع باب الرزق مشتملا

بعزمة سنها علم وأمضاها

حتى انثنى وعلى أجفانه بلل

ود الإباء لها لو كان أعماها

بكى فؤاد لسلمى والبلاد معا

وأنفس رضيت في الذل مثواها

فحمل الموج من أشجانه حمما

وشد يضرب أولاها بأخراها

وقال واليأس يمشي في جوارحه:

ديار سلمى على رغم هجرناها

إننا ندرك لماذا بكى فؤاد من أجل سلمى، وندرك ذلك بطريقة إيحائية. معنى أن ينفصل محب عن إنسانة تحبه، معناه بالنسبة إلى هذه الإنسانة شعور بالضياع، في مثل هذه المواقف يحتاج الشعر إلى التركيز، ولا يحتاج إلى التفصيل؛ ولكن الذي يجب أن يفصل هو لماذا بكى من أجل البلاد، ماذا حدث لهذه البلاد حتى يرغم على هجرها وهجر حبه؟ خضوع وذل؟ ما هي حقيقة هذا الذل وهذا الخضوع؛ والصراع الذي دار في داخل البطل كمرحلة رئيسية من مراحل التجربة، كتوتر انفعالي متبادل بينه وبين من يحب؟ كل ما عرفناه بعد ذلك أن «خمسا من السنوات السود قد صبت بلاياها على رأس لبنان»، وأن حب سلمى ما يزال حيا يقتات على الذكريات؛ وهكذا نجد أنفسنا أمام لوحة قصصية يغلب فيها جانب التسجيل على جانب التحليل؛ لأن عملية المراقبة تتم من الخارج. وتستمر جولتنا في معرض الصور حتى نقف مرة ثالثة أمام هذه اللوحة لعمر بن أبي ربيعة، اللوحة الأولى جمعت بين هند وأمها، واللوحة الثانية جمعت بين سلمى وفؤاد، واللوحة الثالثة جمعت بين عمر ونعم؛ هذه الازدواجية الصانعة لنوع من المقابلة بين طرفين، قيمتها في الشعر الوصفي أنها تنقذ اللوحة المرسومة من التسطح، وتجعلها لوحة ذات أبعاد؛ منها بعد الحركة، وبعد التجسيم، وبعد الخلفية المجالية. ولا بد من الإشارة إلى أن الحركة في لوحة «عمر ونعم»؛ تختلف في نوعيتها عنها في اللوحتين السابقتين؛ الحركة هناك ناتجة عن تدرج الأحداث وانبثاق المواقف، سواء أكان ذلك في منطقة الرؤية التحليلية أو منطقة الواقع المحس، ولكن الحركة هنا ناتجة عن تحويل المجرى التعبيري نفسه من منعطف موضوعي إلى آخر، أشبه بحركة الكاميرا المنتقلة من زاوية إلى زاوية.

كلمات في الأدب · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٢٨