وإذا ما نظرنا إلى بشارة الخوري كواحد من شعراء المدرسة الثانية - بالنسبة إلى الشكل التعبيري واتجاهات المضمون الشعري - فإنه يؤكد لنا أصالته كوجه فني لا يعكس ملامح الآخرين. إنه هنا نسخة غير مكررة، لا تحمل طابع أبي ماضي ولا طابع علي طه، على الرغم من وحدة الخط التجديدي الذي يلتقي على امتداده الشعراء الثلاثة. إن من أهم القيم الفنية لشعرنا المعاصر، أن يكون لكل شاعر طعمه الخاص، ولونه المتميز وطابعه المستقل؛ إننا بذلك نضمن تنوع الشخصية الشعرية، على أساس من تنوع الأداء، حتى لا يستطيع شاعر واحد يمثل مركزية الطابع والاتجاه، أن يلغي من وجودنا الذوقي كل المتفرعين من نقطة البداية. ولقد قلنا يوما ونحن نشير إلى الفن الغربي، ممثلا في القصة واللوحة والقصيدة، إن النسخة الأصيلة هناك، تبهرنا دائما حيث لا تحدث ظاهرة التكرار والتقليد لشكلية العمل الفني وموضوعيته، مهما اتحد الاتجاه المذهبي عند الكتاب والشعراء والمصورين؛ جان بول سارتر وألبير كامو بينهما اتجاه وجودي في القصة، وبول إيلوار ولوي أراجون يجمع بينهما اتجاه يساري في الشعر، وبابلو بيكاسو وسلفادور دالي يجمع بينهما اتجاه سريالي في التصوير، ومع ذلك فلن تجد واحدا من هؤلاء - في حدود الاتجاه المذهبي - نسخة مكررة من الآخر؛ إنهم جميعا يمثلون هذه الظاهرة الجميلة في تاريخ الفن، ونعني بها ظاهرة الاستقلال والأصالة.
هذه هي صورة الأخطل الصغير كشاعر مجدد، أما حين نلقاه كشاعر كلاسيكي من داخل الإطار الذي يضم صورتي شوقي ومطران، فإننا لا نستطيع أن نميز وجهه الشعري في زحمة الوجوه المتشابهة؛ ذلك لأن المجرى التعبيري العام لتدفق الطاقة الشعرية عند شعراء المدرسة الأولى، كان يعتمد على كثير من الروافد الجانبية للشعر العربي القديم، من هنا فقد شعر هذه المدرسة - وهي المدرسة التي اقتطعت جزءا من الوجود الفني والزمني لبشارة الخوري - جوانب مهمة من مفهوم التنوع الحاسم للشخصية الشعرية، وهو التنوع الذي لا يمكن أن يقوم إلا على أسس ثابتة من الاستقلال والأصالة.
ونعود بعد ذلك إلى مجموعة من نماذج التطبيق، لنكرر القول بأنه شاعر اللوحة وليس شاعر التجربة. إنك في معرض هذا الشاعر الرسام، يواجهك عدد من اللوحات الوصفية، منها: «هند وأمها»، «سلمى الكورانية»، «الصبا والجمال»، «عمر ونعم»، «ندى ووداد». ونشير إلى هذه اللوحات؛ لأنها تمثل في مجال التعبير بالصور ملامح المدرسة التجديدية، وتقدم إلينا ذلك الطابع الاستقلالي المتميز، لواحد من شعراء المدرسة الثانية، ولنقف أمام لوحة رسمتها ريشة الأخطل الصغير:
أتت هند تشكو إلى أمها
فسبحان من جمع النيرين!
فقالت لها: إن هذا الضحى
أتاني وقبلني قبلتين
وفر فلما رآني الدجى
حباني من شعره خصلتين
وما خاف يا أم بل ضمني
وألقى على مبسمي نجمتين
وذوب من لونه سائلا
وكحلني منه في المقلتين
وجئت إلى الروض عند الصباح
لأحجب نفسي عن كل عين
فناداني الروض: يا روضتي!
وهم ليفعل كالأولين
فخبأت وجهي ولكنه
إلى الصدر يا أم مد اليدين
ويا دهشتي حين فتحت عيني
وشاهدت في الصدر رمانتين!
وما زال بي الغصن حتى انحنى
على قدمي ساجدا سجدتين
وكان على رأسه وردتان
فقدم لي تينك الوردتين
وخفت من الغصن إذ تمتمت
بأذني أوراقه كلمتين
فرحت إلى البحر للإبتراد
فحملني ويحه موجتين
فما سرت إلا وقد ثارتا
بردفي كالبحر رجراجتين
هو البحر يا أم كم من فتى
غريق وكم من فتى بين بين!
فها أنا أشكو إليك الجميع
فبالله يا أم ماذا ترين؟
فقالت وقد ضحكت أمها
وماست من العجب في بردتين
عرفتهم واحدا واحدا
وذقت الذي ذقته مرتين
في هذه القصيدة صور جزئية، تعبر عن مختلف النقلات التخطيطية للريشة الراسمة؛ إن الشاعر يرسم لنا لوحة ممتازة، مضمونها إبراز المفاتن الجسدية لفتاة جميلة في دور التكوين، ثم يتيح لنا أن نتابعه وهو يتنقل بريشته من مرحلة إلى مرحلة، وكأنه بسياحة خارجية لمعالم هذا التكوين الجسدي، من الوجه الأنثوي إلى القدم. وهو يستخدم الضحى والليل والروض والغصن والبحر، يستخدمها كمجالات خلقية لصوره المرسومة؛ ومن الملاحظ أنه لم يلجأ - كما هو الحال عند المدرسة الكلاسيكية - إلى التعبير المباشر في التشبيه، لم يلجأ إلى طريقة التجسيم التقليدية ليشبه بياض الوجه بنور الضحى، وسواد الشعر بظلام الليل، وبريق الأسنان بضوء النجوم، إلى آخر السلسلة من تلك القائمة الرتيبة والمكررة. لقد كانت وسيلته الأولى إلى التجسيم، قائمة على الرمز الإيحائي للصورة المركبة؛ صورة الضحى مثلا في موقف التقبيل، الدجى في موقف العناق، والغصن في موقف الهمس والسجود، وما يكمن وراء كل حركة من أمثال هذه الحركات الموقفية من معنى رامز أو دلالة موحية. أما وسيلته التجسيمية الثانية، فقد ارتكزت على ذلك الجو القصصي، الذي غلفت به أجزاء المشهد المعروض، فأكسبتها عنصرا جديدا من ثراء التلوين ودينامية الترابط. ولقد ختم الشاعر مجموعة لمساته الحسية، بلمسة نفسية أخيرة في أسفل اللوحة، مضمونها أن غيرة المرأة الجميلة من المرأة الجميلة، شعور أصيل من شأنه أن يلغي أمام المنافسة، منطق الاعتراف للطرف المنافس بقيمه الجمالية؛ لأن المقارنة في أساسها غير عادلة. وحين نقف وقفة أخرى أمام اللوحة الثانية، يواجهنا في بدايتها نفس الطابع الفني، الذي عرفناه في اللوحة السابقة، وهذه هي بداية «سلمى الكورانية»: