هذه الواقعية الإيحائية التي التزمها الكاتب في «بداية ونهاية»، هي التي تطالعنا مرة أخرى - بوجهها الإيجابي - من خلال بعض المواقف السلبية لشخصية كمال في «قصر الشوق»؛ إن كمال يبدو لنا أكثر من واجهة عرض مزدوجة، إنه مجموعة من واجهات العرض المتداخلة، التي قدم نجيب محفوظ من وراء زجاجها الشفاف، مختلف الخيوط الناسجة لمشكلات جيل مأزوم، لم تستطع صحته النفسية أن تقاوم أمراض مجتمع فاسد؛ إنه الجيل الذي عاش من بعد ثورة 1919 إلى ما قبل 1952. لقد بدأ كمال حياته وهو صحيح النفس، كان امتدادا طبيعيا لفهمي، حين ورث عنه إيمانه بكل القيم الرفيعة، وحين اقتبس منه أشرف جوانب شخصيته، وحين اختار نفس الطريق الذي سار فيه. فإذا ما تعثرت خطوات كمال، بعد أن دميت قدماه تحت صدمات الصخور المعوقة، وإذا ما شك في قيمة قيمه التي آمن بها، بعد أن رأى مثله العليا تنهار تحت أقدام الرجعية السياسية والاجتماعية، فتلك هي اللحظات الموحية، التي تتيح لنا رؤية الموقف الاحتجاجي للكاتب، من خلال التصوير المجسم لواقع مجتمع مريض. إننا نستطيع أن نحدد مفهوم الإيجابية الموقفية للكاتب الروائي، بمدى نجاحه في هز وجودنا الفكري بالقلق؛ القلق الذي يصبح عملية بدء موجهة، لكل محاولة جماعية لتغيير الأوضاع، ويستطيع الكاتب - من خلال لحظات الضعف في حياة أبطاله - يستطيع أن يصب في نفوسنا هذا القلق، حين يربطنا بهذا الضعف ربطا شعوريا، عماده تصور المشكلة بأنها ليست مشكلة فرد، ولكنها مشكلة مجموع.
إن نجيب محفوظ - بقسوته المسرفة على بعض أبطاله - يذكرنا بالكاتب الفرنسي مورياك ... لقد سئل مورياك مرة: لماذا تسرف في القسوة على أبطالك؟ فأجاب: ليزداد القارئ عطفا عليهم؛ والواقع أن هذا هو المفتاح، مفتاح الغرفة النفسية الكبيرة التي يضعنا فيها كل من مورياك ونجيب محفوظ، ونعني بها غرفة الشعور بالعطف والرحمة، إزاء لحظات الضعف في حياة الآخرين. إن عطفنا على حسنين ونفيسة في «بداية ونهاية»، وعلى كمال في «قصر الشوق» هو وليد ذلك التأثر الانفعالي، الناتج عن تقديرنا بأن القوى المعوقة التي اعترضت طريق حياتهم كانت - بالنسبة إلى إمكانياتهم الكفاحية - أكبر من أن تقاوم. ومما يعمق مجرى الشعور بالعطف على هؤلاء الأبطال، إحساسنا بأننا لو وجدنا في ظروف قاسية كظروفهم، فربما سرنا مثلهم في نفس الخط، وتعرضنا مثلهم لنفس المصير، ومن هنا نمتلئ عطفا عليهم، بل وثورة من أجلهم. والكاتب الإيجابي الهادف، هو الذي يستطيع أن يكسب لأبطاله - سواء كانوا إيجابيين أو سلبيين - يستطيع أن يكسب لهم من إدراك قرائه تلك اللحظات المضيئة بالعطف والثورة.
كمال في «قصر الشوق» - وكما رسم نجيب محفوظ شتى الأبعاد النفسية لشخصيته - لم يكن يمثل نفسه، بل كان يمثل جيلا من المثقفين وعى رسالته، وحدد دوره، ورسم لنفسه بداية الطريق؛ ولكن عوامل كثيرة - عرضها الكاتب من خلال العمل الفني في «السكرية» - قد عوقت هذا الجيل وأزمت وجوده؛ لأنها كانت أضخم من قدرته النضالية على تغيير الأوضاع: فانتكاس الحركة الوطنية بعد موت سعد، وتزييف الإرادة الجماعية بواسطة زعماء الأقليات طمعا في الحكم، وتآمر القصر مع الاستعمار لخنق انتفاضات الشعب، ورواسب الصراع الطبقي في الوجود الإنساني للبرجوازية الصغيرة، وانهيار قيم الفكر والثقافة في مجتمع، سيطر عليه الانحلال الخلقي وخلا من تكافؤ الفرص؛ كل هذه القوى المدمرة هي التي صنعت جذور الأزمة النفسية لجيل المثقفين بعد ثورة 1919. ولقد كان كمال هو الرمز الكبير، الذي رأينا من خلاله جذور الأزمة في «قصر الشوق»، وامتداداتها الرهيبة في «السكرية».
إن المشاهد التي تقدم لنا كمال - كشخصية متماسكة تمثل المضمون الثوري للإنسان - هي تلك التي يعرضها نجيب محفوظ من خلال الأحداث والمواقف في «قصر الشوق». هو ثائر على رأي أبيه، الذي يريد له أن يلتحق بمدرسة الحقوق، ليكون في المجتمع من أصحاب النفوذ؛ ولهذا قرر أن يلتحق بمدرسة المعلمين، ليتخذ من تعلم اللغات الأجنبية معبره الحقيقي إلى شتى الثقافات. ومن خلال هذا المشهد الثوري، نرى كمال وهو يقول لصديقه فؤاد: «وا أسفاه! إن والدي كأكثر الناس ممن يهيمون بالمظاهر الزائفة؛ الوظيفة، النيابة، القضاء؛ هذا كل ما يهمه، لست أدري كيف أقنعه بجلال الفكر والقيم السامية، الجديرة بأن ينشدها الإنسان من هذه الحياة!» ويقول فؤاد: «قيم جليلة من غير شك، ولكن أين البيئة التي ترفعها إلى المنزلة اللائقة بها؟» ويرد كمال في إصرار نبيل: «لا يمكنني أن أنبذ عقيدة سامية لا لشيء، إلا لأن من حولي لا يؤمنون بها!»