هذا المشهد يقدم لنا إنسانا مثاليا يؤمن بدور الثقافة، يؤمن بدورها في حياة الفرد والمجموع؛ ومن نافذة قيمه الثقافية الجديدة، أطل على كثير من قيم الأمس الممتدة على حدود الرؤية العقلية، وأطلق عليها ثورته؛ ثار على سلطة الأب المستبد، كان بالأمس يخاف هذا الأب، أما اليوم فبعد أن قرعت يداه أبواب عابدين في المظاهرة الكبرى، التي تحدت الملك هاتفة: «سعد أو الثورة ...» فتراجع الملك واستقال سعد من الاستقالة. أما بعد ذلك فلن يذعن لقوة الخوف، إنه وهم كسائر ما امتحن به من أوهام. وثار على جهل أمه كما ثار من قبل على استبداد أبيه، لا بالتحدي والعصيان، ولكن بالتحرر من قيد أفكارهما الموجهة؛ ويقول كمال مخاطبا نفسه: «أبي هو الفظاظة الجاهلة، وأمي هي الرقة الجاهلة. إن جهلك يا أمي هو الذي ملأ حياتي بالأساطير، فأنت همزة الوصل بيني وبين عالم الكهوف، وكم أشقى اليوم في سبيل التحرر من آثارك، كما سأشقى غدا في سبيل التحرر من أبي!»
ثار مع الشعب على القصر، وثار وحده على الأب، أما ثورته على الأم؛ فلأنها قد غرست في تربة نفسه منذ الطفولة، بذور مفهوم خرافي عن الدين؛ وما لبث أن ثار على هذا المفهوم الخرافي، الذي ربطه بعالم الكهوف. واتسع بعد ذلك الحيز النفسي لثورته، فشمل زعماء الأقلية الذين تعاونوا مع الاستعمار والقصر، كان الوفد «عقيدة تلقاها عن فهمي، واقترنت في قلبه باستشهاده وتضحيته!»
هذا الاتجاه الشعبي لبطل «قصر الشوق»، يبرز لنا من خلال المناقشات المحتدمة في السياسة، بين كمال وبين مجموعة من أصدقاء المدرسة الأرستقراطيين. كانوا بحكم نشأتهم الأرستقراطية المنعزلة، يتعالون على الشعب، وإذا ما تكلموا عنه فكأنما يتكلمون عن شعب غريب. أما هو - ذلك المنحدر من صلب الشعب - فكان يدافع عنه ويقف إلى جنبه، وفي شخص زعيمه سعد زغلول، ومن هنا - وفي كل معركة كلامية تنشب بينه وبينهم، يصبح هو مندوب سعد ويصبحون هم مندوبي عدلي وثروت ومحمد محمود. كان أحدهم مثلا يناقشه بهذا المنطق: «إذا كان سعد وعدلي سيين عندي في الناحية السياسية، فإنني لا أراهما كذلك كرجلين؛ لا يمكن أن أتجاهل ما يمتاز به عدلي من كريم الأصل، وعظيم الجاه والثقافة، أما سعد؛ فما هو إلا أزهري قديم.» ويقول له الآخر: «ليست الوطنية عند سعد إلا نوعا من البلاغة تستهوي العامة.» وينفجر كمال في غيظ وسخرية: «إن الذين تؤمنون بهم ليسوا إلا خونة، ليسوا إلا طبقة من الإنجليز المطربشين؛ أنتم تقللون من شأن الكلام كأنه لا شيء، الحق أن أخطر ما تمخض عنه تاريخ البشرية من جلائل الأمور، يمكن إرجاعه في النهاية إلى كلمات، الكلمة العظيمة تتضمن الأمل والقوة والحقيقة، نحن نسير في الحياة على ضوء كلمات. على أن سعدا ليس صانع كلمات فحسب، إن سجله حافل بالأعمال والمواقف؛ ولست في حاجة إلى أن أذكركم بأن العظمة شيء غير الفقر والغنى، وغير العمامة والطربوش!»
نجيب محفوظ يقدم الصراع هنا في صورة مزدوجة: الصراع السياسي والصراع الطبقي، في مجال واحد متشابك الخطوط؛ حسين شداد ابن المليونير صنيعة الخديو، وحسن سليم ابن المستشار صنيعة أحزاب الأقلية في جانب، وكمال أحمد عبد الجواد ابن تاجر البقالة بالنحاسين في الجانب الآخر؛ أو عدلي وثروت في طرف، وفي الطرف المقابل سعد زغلول، الأرستقراطيون يواجهون الشعب، والصراع حول كرم الأصل وشرف المنبت والفوارق الشاسعة بين طبقتين. ويبلغ الصراع قمته حين يفصح كمال عن حبه لعايدة أخت حسين شداد، ويكشف عن رغبته في أن تكون زوجة له؛ لقد هزم الشعب في المعركة، وخرج منها ودماؤه تنزف، لقد سخرت عايدة من أوهام كمال، وتزوجت من ابن طبقتها حسن سليم؛ فضلت ابن المستشار على ابن تاجر البقالة؛ وكانت نقطة تحول ضخمة في خط السير النفسي لكمال، تناولها نجيب محفوظ - من خلال العمل الفني في «السكرية» - كبداية لأثر الصراع الطبقي في أزمة جيل عاش في مجتمع مريض!