ونجيب محفوظ يقدم الشخصية المرسومة أحيانا بطريقة جديدة، يقدم إلينا النموذج الإنساني في موقف من المواقف وكأنه مرآة ذات وجهين، يعكس أحدهما صورة الوجود الداخلي للنموذج نفسه، بينما يعكس الوجه الآخر صورة أخرى لنموذج إنساني مغاير، يشترك مع النموذج الأول في التقاء الخطوط النفسية المنطلقة من نقطة ارتكاز الحدث. إننا نرى أحمد عبد الجواد مرة من خلال أمينة، ونراه مرة وكأنه واجهة عرض مزدوجة؛ فإذا ما فكر ياسين مثلا في شخصية أبيه، وإذا ما فكرت أمينة في تلك الشخصية؛ تحول كل منهما - إلى واجهتي عرض: إحداهما أمامية تلمح من ورائها صورته النفسية الأصيلة، والأخرى جانبية تطالعنا بالصورة المقابلة التي تتفق معها أو تختلف، في مدى التأثر بواقع التجربة الإنسانية المعاشة.
2
مفهوم السلبية والإيجابية في العمل الفني، من أي زاوية يمكن أن ينظر إليه؟ الواقع أن هذا المفهوم يحتاج إلى تحديد. إن شخصية فهمي مثلا - كما رسمها نجيب محفوظ - شخصية تخيرت طريقها بأسلوب إرادي صارم، ورسمت لهذا الطريق بداية واعية صاعدة، كانت نهايتها أشبه بعملية تتويج بطولية، لمجموعة من خطوات النضال الهادف؛ وإزاء هذا التحديد الاتجاهي للشخصية الإنسانية، يبدو نجيب محفوظ - على ضوء الرؤية النقدية عند بعض النقاد - كاتبا واقعيا تتميز واقعيته بالطابع الإيجابي، الذي ينبغي للروائي أن يلتزمه عند تصوير الشخصيات، والإيجابية المقصودة مصدرها أن فهمي بطل «بين القصرين»، لم يكن سلبيا في مواجهة المشكلات، ولم يكن سلبيا في مواجهة الموت؛ على عكس بعض الشخصيات الأخرى كحسنين ونفيسة في «بداية ونهاية»، حين عالج كل منهما مشكلته بالانتحار، وهو - على ضوء تلك الرؤية النقدية عند هؤلاء النقاد - موقف هروبي بالنسبة إلى المشكلة؛ لأن الانتحار - بمضمونه النفسي والإنساني - ما هو إلا عملية إنهاء سلبية لحياة غير هادفة؛ ومن هنا يتهم نجيب محفوظ بأنه لم يكن في عمله الروائي السابق، كاتب الواقعية الإيجابية كما ظهرت بنسيجها المحكم، في الجزء الأول من روايته الأخيرة «بين القصرين»؛ وقد يتهم مرة أخرى بأنه كان سلبيا بالنسبة إلى بعض المواقف، التي أبرز من خلالها أخطر شخصية رسمتها ريشته، وهي شخصية كمال بطل «قصر الشوق» و«السكرية».
من هنا كان مفهوم السلبية والإيجابية يحتاج إلى تحديد. إن الحكم بسلبية العمل الفني أو إيجابيته، يجب أن يستمد من موقف الكاتب نفسه، وليس من موقف الشخصية المرسومة؛ من الموقف «التأثيري» لذلك الكاتب وليس من الموقف «السلوكي» لهذه الشخصية. فقد يكون الكاتب - من ناحية التأثير الانفعالي في قرائه - إيجابي الهدف، حين تكون الشخصية التي يرسمها سلبية السلوك أو سلبية الاتجاه، وعلى العكس؛ إذا لم يستطع الكاتب أن يفجر في وجودنا الداخلي تلك الطاقة الانفعالية، فهو كاتب سلبي على الأساس التحديدي للسلبية التأثيرية. إن الكاتب الإيجابي الهادف هو الذي يفتح عيون الطبقات على مشكلاتها، وذلك عن طريق تجسيم هذه المشكلات بأي أسلوب من أساليب العرض، ولن تتم هذه العملية التجسيمية، إلا إذا استطاع الكاتب أن يصب المشكلة في نفوس قرائه، وأن يملأ وجودهم الداخلي بكل عنصر من عناصر الإثارة. وفي رأينا أن نجيب محفوظ، قد حقق هذا الهدف الإيجابي، وهو يدفع حسنين ونفيسة إلى الانتحار في «بداية ونهاية»، ثم وهو يدفع بكمال إلى هاوية التردد والحيرة والكفر بالقيم، في بعض المواقف من «قصر الشوق» و«السكرية».
لقد كانت المشكلة التي دار حولها نجيب بمجموعة الأحداث والمواقف في «بداية ونهاية» هي مشكلة الفقر، في مجتمع إنساني متخلف لا ضمان فيه؛ فإذا انحرفت نفيسة عن طريق الشرف لتمارس الخطيئة «ضمانا» للقمة العيش، وإذا تحول حسن عن الحياة النظيفة ليعيش في كنف العاهرات؛ «ضمانا» لاستمرار بقائه، وإذا اضطر حسنين أن يعتمد على صدقات أخيه البلطجي، «ضمانا» لاستكمال تعليمه بالكلية الحربية، وإلى أن يحكم بعد ذلك على أخته وعلى نفسه بالموت؛ «ضمانا» لإنقاذ سمعته بعد أن أصبح محترما في المجتمع، فتلك هي الواقعية الإيحائية التي يلتزمها نجيب محفوظ؛ إنه هنا يبدو إيجابيا من خلال المواقف السلبية لشخصياته؛ لأن هدفه الإيحائي من وراء هذه العملية التجسيمية، هو أن يفتح عيوننا على الواقع البشع للمشكلة، وكأنه في موقف المحتج - الذي يدفعنا معه إلى الاحتجاج - على مجتمع تعود أن يرغم بعض أفراده - تبعا لخلوه من ضمان للحياة الشريفة، على أن يلتمسوا تلك الضمانات المنحرفة، التي تتفق مع منطق الفقر والحاجة، وتعود أن يقنع البعض الآخر أن الموت - بالنسبة إلى حياتهم القاسية - يعد طريقا من طرق الخلاص.