تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا؛ لأني بها حرة كل الحرية؛ أتذكر قول القدماء من الشرقيين إنه خير للبنت ألا تقرأ ولا تكتب. إن القديس توما يظهر هنا، وليس ما أبدي هنا أثر الوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة. قل أنت ما هو هذا؟ وقل لي ماذا كنت على ضلال أو هدى، فإني أثق بك وأصدق بالبداهة كل ما تقول.

أصدق ما يقال هنا عن هذا التمهيد أنه متعمد ومقصود، أو أنه حركة بارعة من حركات التغطية والتعمية والإيهام؛ تزعم مي أنها تخشى الحب، ولو صدقت لقالت إنها لا تستطيع أن تتذوقه؛ لأنها كما سبق القول قد فقدت أبرز الخصائص عند المرأة الطبيعية! تخشى الحب ولماذا تخشاه؟ ألأنه قد يأتيها بالنزر اليسير، وهي لا ترضى بما دون الكثير؟ وما هذا الكثير إن لم يكن هو الرباط المقدس في منظار حواء؟ لقد لوح لها جبران يوما بهذا الأمل المشتهى عند كل أنثى، فلم يلق منها غير الصد والإعراض؛ لقد أرادتها صداقة فكرية وأرادها جبران علاقة وجدانية، وها هي مي ترفض عرضه وتدور حول هذا المعنى بهذه الكلمات: ... لقد فهمت ما أريد وإنما في غير معناه الحقيقي، وفهمته على وجه لم أقصده! ثم سطت عليك الكبرياء، كبرياء الرجل، فنسيت أن السكوت لا يحسن بيننا على هذه الصورة، نحن اللذين تكاتبنا أبدا كصديقين مفكرين؛ آلمني سكوتك من هذا القبيل، وأرهف انتباهي، فأعلمني أنك لم تشاركني ارتياحي إلى تلك الصداقة الفكرية؛ لأنك لو كنت سعيدا بها مثلي لما كنت رميت إلى أبعد منها! وصار معنى سكوتك عندي: «إما ذاك وإما لا شيء»، وأنت أدرى بأثر هذا في نفسي!

تناقض بين موقف اليوم وموقف الأمس، وكلمات يطلقها اللسان هناك ويكذبها هنا واقع الشعور. وما زلنا بعد هذا كله نفتش بين ركام الألفاظ عن المفتاح؛ مفتاح الطبيعة الأنثوية الشاذة، التي لم ينبض فيها عرق بعاطفة نحو رجل من الرجال! وقبل أن نقدم إليك هذا المفتاح نحب أن نرجع إلى تلك العبارة، التي ذكرت فيها مي اسم «توما» القديس، وأثر الوراثة في حياتها النفسية. هناك - كما تقول لجبران - ما هو أبعد من أثر تلك الوراثة في تكوين نفورها من الحب، هذه الكلمات التي تحمد الله على أنها لم تنطلق من بين شفتيها، وإنما انطلقت من بين شفتي القلم ... هناك «شيء» آخر تسأل عنه جبران، وتستنجد بذكائه ليلهمه الجواب، ومعذرة للذكي النابغ إذا لم يفطن لهذا «الشيء»، وهو بالنسبة إلى المشكلة مفتاح الباب؟ معذرة لجبران إذا لم يفهم لغة مي النفسية لأنه كان يحب، وفي الحب تقرأ القلوب وحدها ولا تقرأ العقول؛ إن عقل جبران لو لم يكن أمام لغة مي معصوب العينين، لرأى هذا «الشيء» البعيد وكأنه يراه من مدى قريب!

ما هو هذا الشيء؟ رجعة أخرى إلى الوراء؛ إلى رسالة قديمة من رسائل مي، لنلتقط من بين سطورها المفتاح! لقد أغاظها جبران يوما بكبريائه، كبرياء الرجل الذي يريد أن يشعر المرأة بأنه قادر على السيطرة والامتلاك؛ إزاء رجل من هذا الطراز لا تستطيع المرأة المعتزة بكرامتها إلا أن تثور، وإذا ما ثارت المرأة فهي الثورة التي تعصف بالوعي، وترفع عن وجه حقيقتها «الداخلية» كل قناع! هكذا تجد كل امرأة وهكذا تجد مي. وتختلف الحقائق بعد ذلك تبعا لاختلاف التكوين النفسي عند شتى النساء؛ لقد ثارت على جبران، وفي خلال ثورتها على مرجل وجودها الداخلي ولم يكن محكم الغطاء، فتطايرت قطرات السر الرهيب في هذه الكلمات: ... لما كنت أجلس للكتابة كنت أنسى من وأين أنت؛ وكثيرا ما أنسى أن هناك شخصا، أن هناك «رجلا» أخاطبه! فأكلمك كما أكلم نفسي، وأحيانا كأنك «رفيقة» لي في المدرسة!

هكذا تكلمت مي، وإذا تكلمت مي فليس هناك زيادة لمستزيد؛ إن ذلك «الشيء» الذي سألت عنه جبران، قد أجابت عنه هنا في لحظة غضب ثائرة، ولم يكن في كلمة واحدة غير «الأنوثة المقتولة»، وإذا ما قتلت الأنوثة في أعماق المرأة فقد قتل إحساسها بالرجل، وانمحت الفوارق الجنسية في عالم الشعور؛ يبدو الرجل في منظارها وهو لا يختلف عنها في شيء؛ لأنها حرمت حاسة الجنس وسلبت توجيه الغريزة، وقل بعد ذلك أنه فقد الشهية نحو الأشياء، وما يترتب عليه من أثر في سلوك الأحياء: تفقد شهية الطموح فتزهد في المجد، وتفقد شهية القراءة فتشغل عن العلم، وتفقد شهية الأكل فتعزف عن الطعام؛ وكذلك المرأة حين تفقد شهية الأنوثة فتنسى الرجل وتنفر من الحب! لقد كانت مي في تلك السطور الأخيرة التي كتبتها لجبران، هي المرأة التي «نسيت» أن هناك «رجلا» تخاطبه، وكل امرأة تتعرض لهذا الشذوذ فهي واحدة من اثنتين: امرأة يتجرد إزاءها الرجل من أعمق صفات الرجولة، فإذا هو بوتقة إحساسها «رفيقة» من عالم النساء، وامرأة تتجرد إزاء الرجل من أبرز خصائص الأنوثة، فإذا هي في البوتقة نفسها «رفيق» من عالم الرجال، ومن هنا ينقطع «التيار» العاطفي بينها وبينه وكأنه تيار كهربائي بين قطبين سالبين ... وهذا هو المفتاح!

كلمات في الأدب · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ١٢