تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كانت طبيعتها الأنثوية واحدة هنا وهناك؛ فتور عجيب يزلزل في نفسك قوائم الإيمان بأنها كانت امرأة، امرأة يضطرب بين جنبيها الإحساس الخالد بالأنوثة، وينطلق من وجودها الداخلي نداء الأعماق. إن بين أيدينا رسائلها ورسائله، فتعال نبحث بين السطور عن أثر الأنثى الطبيعية، وتعال بعد ذلك نفتش بين ركام الألفاظ عن المفتاح؛ المفتاح الذي نديره في ثقب الباب المغلق ليفتح على مصراعيه، إذا لم يؤمن الذين نادوا بحب مي لجبران بنتيجة الطرق العنيف!

أنا ضباب يا مي؛ أنا ضباب يغمر الأشياء ولكن لا يتحد وإياها؛ أنا ضباب وفي الضباب وحدتي، وفيه انفرادي ووحشتي، جوعي وعطشي. ومصيبتي هي أن الضباب وهو حقيقتي، يتوق إلى استماع قائل يقول: لست وحدك ونحن اثنان، أنا أعرف من أنت!

أخبريني يا مي، أفي ربوعكم من يقدر ويريد أن يقول لي: أنا ضباب آخر أيها الضباب؛ فتعال نخيم على الجبال وفي الأودية، تعال نسير بين الأشجار وفوقها، تعال نغمر الصخور المتعالية، تعال ندخل إلى قلوب المخلوقات وخلاياها، تعال نطوف في تلك الأماكن البعيدة المنيعة غير المعروفة؟ قولي يا مي: أيوجد في ربوعكم من يريد ويقدر أن يقول لي ولو كلمة واحدة من هذه الكلمات؟

أرأيت إلى هذا الأسلوب الجديد في الأدب والحب؟ أرأيت إلى جبران الإنسان تحترق في موقد العذاب خلجات نفسه، وإلى جبران الفنان تنتشر في متحف الإبداع لوحات أفكاره؟ إنه الرجل الذي يعيش في الضباب ويود أن يلمح من خلاله شبح أنثى، أو بارقة عطف، أو طيف أمل؛ وها هو ذا ينادي، ينادي أنثاه نداء الوحدة والغربة، والانفراد والوحشة، والجوع والعطش، ترى هل فهمت لغة نفسه، ووعت منطق شعوره، وتذوقت في النداء حرارة الدعاء؟ إن الأنوثة الخامدة تقدم إليك هذا الجواب:

لقد قصصت شعري؛ وعندما ترى من صديقاتك بعد اليوم يا جبران من هن في هذا الزي يمكنك أن تذكرني، وأن تقول لهن في سرك إنك تعرف من يشبههن! كنت إلى شهور راغبة في التخلص من هذه الذوائب، التي يقولون إن لطولها يدا في قصر عقل المرأة، وهو افتراء طبعا. ولكن عندما رأيت شعري بحلكته وتموجه الجميل وعقاربه الجريئة مطروحا أمامي، تداعبه يد المزين شعرت بأسف على هذه الخسارة! غير أن المزين طيب خاطري بعبارات، تكسرت فيها الكلمات الألمانية والإيطالية، وهو روماني على ما يقول، فهل كان في وسعي أن أضحك؟ لقد مضى يصف لي جمال الشعر القصير ومنافعه ومميزاته، لا سيما وأنه، على ما زعم المزين الصالح، يليق لي كثيرا؛ وسألته إلى كم امرأة يقول كل هذه الكلمات، فأجاب : «أنت فيلسوفة!» أرأيت هذه الفيلسوفة التي تسعى إلى قص شعرها ثم تحزن عليه، ثم تضحك لأن المزين يعزيها عن فقده بكلمات مسرحية؟!

هذه هي المرأة التي كان يخاطبها جبران؛ المرأة التي كان يخاطبها بلغة الشعر فتخاطبه بلغة الشعر، ويحدثها عن قلبه وهو بين يدي الأشواق، فتحدثه عن رأسها وهو بين يدي الحلاق، وإنه لحديث الأنوثة المكفنة بأثواب العدم، ومن حولها صرخة من أصدق صرخات الوجود!

أنوثة مقتولة ولو التمست لها مي شتى الأسباب والمعاذير، ولو حاولت أن تبرر شذوذها وهي تقول لجبران في رسالة سابقة، تمهد بها لهذا الشذوذ:

جبران! لقد كتبت كل هذه الصفحات ضاحكة لأتحايد كلمة الحب؛ إن الذين لا يتاجرون بمظاهر الحب ودعواه في السهرات والمراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميتية رهيبة، قد يغبطون عليها الذين يوزعون عواطفهم في اللألاء السطحي؛ لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم ويفضلون تضليل قلوبهم عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة.

ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكنني أعرف أنك محبوبي وأني أخاف الحب. إني أنتظر من الحب كثيرا، فأخاف ألا يأتيني بكل ما أنتظر! أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير، الجفاف والقحط واللاشيء في الحب خير من النزر اليسير؛ كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا، وكيف أفرط فيه؟ لا أدري! الحمد لله أنني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به؛ لأنك لو كنت الآن حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام ولاختفيت زمنا طويلا، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى!

كلمات في الأدب · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ١١