تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترى هل كف جبران بعد ذلك عن السير مع عاطفة مي «السابقة» أو المسلوبة إلى نهاية الطريق؟ كلا؛ لأنه ما زال يحدق في لغة نفسها بعقل معصوب العينين:

لدي أمور كثيرة أريد أن أقولها عن العنصر الشفاف وغيره من العناصر، ولكن علي أن أبقى صامتا عنها، وسوف أبقى صامتا حتى يضمحل الضباب، وتتفتح الأبواب الدهرية ويقول لي ملاك الرب: تكلم فقد ذهب زمن الصمت، وسر فقد طال وقوفك في ظلال الحيرة! متى يا ترى تتفتح الأبواب الدهرية؛ هل تعلمين؟ هل تعلمين متى تنفتح الأبواب الدهرية ويضمحل الضباب؟ ها قد بلغنا قمة عالية فظهرت أمامنا سهول وغابات وأودية، فلنجلس هنيهة يا مي ولنتحدث قليلا، نحن لا نستطيع البقاء هنا دائما؛ لأنني أرى عن بعد قمة أعلى، وعلينا أن نبلغها قبل الغروب!

إنه ما يزال يسأل عن أبواب الأمل متى تفتح، الأبواب التي تقف من ورائها امرأة تنتظره وفي شفتيها همس، وفي عينيها لهفة، وفي يديها ذلك المنديل الإلهي، الذي تجفف به عرق النفس وتمسح غبار الروح، بعد رحلته الطويلة المضنية في طريق الحياة؛ إنه يريد أن يجلس قليلا ليستريح ويتحدث عن تلك القمة، التي يود أن يبلغاها معا قبل أن تحتضر شمس العمر على فراش الغروب! ولكن الأيام تمر والأبواب لا تنفتح، وليس هناك من ينتظر، والقمة التي بلغها وحيدا بلا رفيق أو حبيب، كانت قمة اليأس والخيبة وضيعة الرجاء. وانتهى الحديث عن اللقاء، وابتدأ الحديث عن الرحيل، وها هو جبران ينثر بين يديها أشلاء شعور تمزقت أوصاله على بقايا الصخور:

أتعلمين يا مي أني ما فكرت في الانصراف الذي يسميه الناس موتا، إلا وجدت في التفكير لذة غريبة وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل؟ ولكني أعود فأذكر أن كلمة لا بد من قولها، فأحار بين عجزي واضطراري وتغلق أمامي الأبواب. لا لم أقل كلمتي بعد، ولم يظهر من هذه الشعلة غير الدخان، أقول لك يا مي، ولا أقول لسواك، إني إذا انصرفت قبل تهجئة كلمتي ولفظها، فإني سأعود لأقول الكلمة التي تتمايل الآن كالضباب في سكينة روحي؛ أتستغربين هذا الكلام؟ إن أغرب الأشياء أقربها إلى الحقائق الثابتة، وفي الإرادة البشرية قوة اشتياق تحول السديم فينا إلى شموس!

وأخيرا ودع جبران الدنيا ورحل عن عالم الأحياء؛ أما مي فقد بقيت من بعده وحيدة، لقد أضحت حياتها فراغا من كل شيء: فراغا من عطف الأبوة وحنان الأمومة، من صحبة الرفيق ونجوى الصديق، من ألق الشهرة وفنون المجد، من رونق الصبا وهتاف المعجبين؛ وما كان أصدقها وهي تعبر عن هذا الفراغ، في رسالة إلى نسيبها الدكتور زيادة فتقول:

إني أتعذب شديد العذاب يا جوزف، ولا أدري السبب، فأنا أكثر من مريضة وينبغي خلق تعبير جديد، لتفسير ما أحسه في وحولي. إن هناك أمرا يمزق أحشائي ويميتني في كل يوم، بل في كل دقيقة! لقد تراكمت علي المصائب في السنوات الأخيرة وانقضت علي وحدتي الرهيبة - التي هي معنوية أكثر منها جسدية - فجعلتني أتساءل كيف يمكن عقلي أن يقاوم عذابا كهذا! وكان عزائي الأوحد في محنتي هذه مكتبتي ووحدتي الشعرية، فكنت أعمل وأعمل كالمحكومة بالأشغال الشاقة، لعلي أنسى فراغ مسكني، أنسى غصة نفسي، بل أنسى كل ذاتي!

وقفة متأملة عند بعض الصور التعبيرية في هذه الرسالة؛ لأن تلك الصور ما هي إلا اعترافات نفسية لم تفصح عن مدلولها الكلمات؛ ما هو هذا «الأمر» الذي كان يمزق أحشاء مي، ويميتها في كل يوم كما تقول؟ أليس هذا الأمر الذي يرمض جوانحها بالعذاب، هو ذلك «الشيء» الذي كانت تسأل عنه جبران؟ أليس هو الشعور بأثر «الأنوثة المقتولة» التي حرمتها الرجل حبيب قلب وأنيس وحدة وشريك حياة؟ ألا تسمعها وهي تشكو «فراغ المسكن» وتصور وحدتها الرهيبة، بأنها كانت «معنوية أكثر منها جسدية»؟ لقد كانت وحدة نفس أكثر مما كانت وحدة جسد؛ لأن المرأة التي تقتل فيها الأنوثة، قلما تحس ذلك القلق الناتج عن كبت الغريزة، وإنما الشيء الذي يكثر إحساسها به من غياب الرجل هو فراغ الحياة! لقد كانت أضواء الشهرة تحول بين ناظريها وبين رؤية هذا الفراغ، كما كانت صيحات الإعجاب تغطي على طنينه الضخم، كلما طرق السمع من حين إلى حين ... وعندما أقبل اليوم الذي همدت فيه من حولها كل حركة، وخفت كل صوت وانطفأ كل بريق، تجلت لها الدنيا على حقيقتها المفزعة، التي لا وهم فيها ولا خداع!

كلمات في الأدب · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ١٣