وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشهر أمرهم وهو بعد القتل عند جمهور العلماء ومنهم من قال يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف حتى قال يتركون على المكان العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل، فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنه: (ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة) (1)، حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا والترك أفضل كما قال الله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله) ... إلى قوله رحمه الله:
ولو شهروا السلاح في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال فقد قيل إنهم ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس، وقال أكثرهم: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد وهذا قول مالك في المشهور عنه والشافعي وأكثر أصحاب أحمد وبعض أصحاب أبى حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله والمسافر لا يكون معه غالبا إلا بعض ماله، وهذا هو الصواب لاسيما هؤلاء المتحزبون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر المنسر وكانوا يسمون ببغداد العيارين.
ولو حاربوا بالعصي والحجارة المقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها فهم محاربون أيضا وقد حكى عن بعض الفقهاء لا محاربة إلا بالمحدد وحكى بعضهم الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن، فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصى فهو مجاهد في سبيل الله. اهـ (2)
(1) أحاديث النهي عن المثله رواها البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي وابن ابي شيبة وأبو يعلى والطبراني عن أنس وبريدة بن الحصيب وعمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وشداد بن أوس وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة وأبي أيوب الأنصاري ويعلى بن مرة رضي الله عنهم.
(2) مجموع الفتاوى ج28/ 310ـ316.