أبو المعالي زين الدين شعبان
تولى سنة 764ه، ولقب بالملك الأشرف، وعمره عشر سنين. وكان المتكفل به الأمير «يلبغا العمري». وفي سنة 767ه أراد أن يجعل الأمير «طنبغا الطويل» عامله على الشام، وكان هذا الأمير إذ ذاك برأس الوادي، فأرسل إليه كتابا مع جملة أمراء فلم يمتثل لهذا الأمر واتحد مع الأمراء المرسلين إليه، ورفعوا لواء العصيان، فقام يلبغا وحاربهم وانتصر عليهم بالقرب من الجبل الأحمر بجهة تعرف بقبة النصر وقتل منهم خلقا كثيرا. وفي هذه السنة وردت مراكب صاحب قبرص إلى «الإسكندرية»، فقام عليهم نائب الإسكندرية وحاربهم بما عنده من العرب والعساكر ، فهزموه ودخلوا المدينة ونهبوها وقتلوا كثيرا من أهلها، ورحلوا عنها قبل وصول عساكر الملك إليهم الواردة من القاهرة، وبهذا السبب وكثرة فساد مراكب الفرنج في البحر وقطعهم طرق التجارة شرع في إنشاء مراكب حربية، فلما كملت رحل ليتفرج عليها، وعاد إلى «الطرانة» بقصد النزهة، ونصب بها خيامه، وكان مماليك «يلبغا» قد اتفقوا على قتله فهرب ليلا إلى القلعة، فتوجه المماليك إلى السلطان وأرادوا أن يعينهم، فلم يمكنه غير الموافقة. ولما بلغ «يلبغا» ذلك جمع جموعه واستدعى الأمير «أتوك» أخا السلطان ولقبه بالملك المنصور، وسار به إلى الجزيرة الوسطى والسلطان الأشرف في بر إمبابة، وصاروا يترامون بالنشاب، فسار السلطان وطلع القلعة على حين غفلة، فلما سمع بذلك أصحاب «يلبغا» فارقوه أغلبهم وآل الأمر بالقبض على يلبغا وقتلوه. وكانت داره هي المعروفة الآن «بالحوض المرصود»، وكانت مدة السلطان «زين الدين شعبان» كلها ثورات وتعاظم عليه، وكانت الحروب بالرميلة وبولاق والجزيرة، وجعل للأشراف العمائم الخضر ليمتازوا عن غيرهم. وفي سنة 778ه خرج للحج فلما وصل العقبة قام عليه المماليك، فكر راجعا واختفى بالقاهرة إلى أن قبض عليه وخنق ووضع بزنبيل وألقي في بئر. وفي أيامه ولى الكثير من أولاد الناس المناصب السامية والوظائف العالية، وهو الذي بنى المدرسة الأشرفية تجاه القلعة وهدمت في زمن السلطان «برقوق».
زين الدين الملك حاجي
كان عمره وقت تقليده السلطنة عشر سنين، فلم يكن له من السلطنة سوى الاسم فقط، وكان الأمر بيد برقوق الوزير، وكانت المملكة في حالة الاضطراب؛ لأن كل أمير كان يريد الرياسة، وكثرت العربدة في البلاد، واشتدت نيران الفتن، فاتفق برقوق مع خشداشيته، وهجم على باب السلسلة الذي هو باب العزب، أحد أبواب القلعة، واستحضر الخليفة الموجود وهو المتوكل على الله العباسي والقضاة والأمراء، واتفقوا على خلع الملك الصالح حاجي وتولية برقوق، وتقررت بينهم سلطنة برقوق، فكانت مدة سلطنته سنة وكسورا، فكان من تولى من ذرية الناصر اثني عشر، أقاموا ثلاثا وأربعين سنة، مع أن الناصر محمد بن قلاوون أقام بها أربعا وأربعين سنة، ومدتهم جميعا كانت شدائد حتى اشتد الضرر بالناس، مع أن في مدتهم جددت العمارات الكثيرة بمصر والقاهرة.
الفصل الثالث عشر
| دولة الجراكسة
حكمت هذه الدولة سنة 784ه، وانقضت سنة 923ه، وعدد سلاطينهم 22 سلطانا، وأولهم برقوق، ولنذكر من اشتهر منهم فنقول:
الظاهر برقوق
أصله من مماليك يلبغا المتقدم الذكر، ولما استقر برقوق في السلطنة أكثر في شراء المماليك وأمر لهم بالسكنة في القاهرة، وتزوجوا بنساء أهل المدينة، وتغيرت أحوال البلاد وعوائدها، ثم رفع نواب الشام لواء العصيان عليه، وجرت بينه وبينهم حروب شديدة، ودام الاضطراب حتى حضر «يلبغا الناصري» بعساكر من الشام، واقتتل مع عساكر برقوق خارج باب النصر، فانهزمت عسكر السلطان، واختفى برقوق، واستولى «يلبغا» على القلعة، وأخرج السلطان الصالح حاجي من السجن وولاه السلطنة ثانيا، وأكثر القتل في مماليك السلطان برقوق، وما زال مجدا في طلبه حتى عثر عليه، فبعث به أسيرا إلى الكرك، وحبس هناك وصار الحل والعقد بيد «يلبغا»، ثم حصلت فتنة من يلبغا والأمير منطاش، فتحاربا في الرميلة وآل أمرها بهروب يلبغا وأصحابه، وصار الحل والعقد بيد «منطاش»، فتمكن برقوق من الخروج من الكرك فخرج وانضم إلى بعض مماليكه وكثير من العرب، وحصلت وقعات بينه وبين نواب الشام والسلطان «حاجي»، انتهت باسترجاعه إلى السلطنة، وهرب «يلبغا» فصار يهجم على بلاد الشام إلى أن قتل يلبغا وأتي برأسه وعلقت على باب زويلة، وفرح السلطان برقوق لقتله. وفي ذلك الوقت كان ظهور «تيمورلنك» يعثو في البلاد بعساكره، وحصلت بينه وبين عساكر مصر وقعات عظيمة، واستولى على بغداد، فهرب صاحبها القان أحمد إلى مصر فقابله ملكها بالترحاب وأنزله بقصر الأمير «طقوزدمور» - وهو محل المدارس الميرية الآن بدرب الجماميز - وجهز جيشا وسار معه إلى بلاد الشام، وكان تيمورلنك قد رحل عنها، فرجع السلطان برقوق إلى مصر وتوجه القان أحمد إلى مملكته، فكانت مدته كلها حروب وشدائد، فكانت سلطنته بالديار المصرية والشامية ست عشرة سنة وكسورا، وكان كثير البر والصدقات، ومات سنة 801ه.