تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم رجع شمس الدولة إلى أسوان وذلك سنة 568ه أي سنة 1173م بعد أن سلم قلعة أبريم إلى جماعة من الأكراد تحت قيادة إبراهيم الكردي، ثم خرج إبراهيم قاصدا جزيرة زبدان، فغرق إبراهيم وجماعة من أصحابه، ورجع الباقي إلى قلعتهم أبريم، ثم أخلوها بعد ذلك بسنتين، ولما مات نور الدين صاحب الموصل سار صلاح الدين إلى الشام فحاصر كثيرا من مدنها واستباح أهلها وفتح أرض الجزيرة، وهزم عز الدين صاحب الموصل واستولى عليها، وعاد إلى مصر وأمر ببناء القلعة الموجودة الآن بالقاهرة، وكان محلها يعرف وقتئذ بقصر الهواء، وقد ذكر العالم المدقق والجهبذ المحقق سعادة علي مبارك باشا في خططه ما نصه:

بنى قلعة الجبل لتكون له معقلا وحصنا يعتصم به من أعدائه، فإنه كان يحذر من شيعة الفاطميين، فاختار لها المحل الذي بنيت فيه، وأقام على عمارتها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، وبنى سور القاهرة في سنة 572ه، وهدم ما هنالك من المساجد وأزال القبور وهدم الأهرام الصغار التي كانت بالجيزة، وكانت كثيرة العدد، ونقل أحجارها وبقى بها السور، وبنى قناطر الجيزة لأجل سهولة نقل الأحجار، وقصد صلاح الدين أن يكون السور محيطا بالقاهرة والقلعة فمات قبل أن يتم، فأهمل العمل إلى أن كانت سلطنة الملك الكامل. انتهى.

وعاد صلاح الدين إلى الشام بجيش آخر وفتح بيت المقدس بعد وقعة عظيمة بالقرب من مدينة طبرية سنة 1187م سنة 583ه أسر فيها ملك بيت المقدس «جي لوزينيان» وسجنه ومعه جماعة من رؤساء المعابد والمضايف، وفتح كثيرا من البلاد الشامية التي كانت بيد الإفرنج، وله حروب كثيرة مع الصليبيين سيأتي ذكرها، وكان شجاعا كريما حليما حسن الأخلاق متواضعا صبورا. ومات بقلعة دمشق سنة 589ه أي سنة 1193م، ودفن بشمال الجامع الأموي.

الملك العزيز بن صلاح الدين

ولما مات صلاح الدين قام بالأمر بعده ابنه العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان، وكان ينوب عن أبيه بمصر في حياته، ولما قبض على زمام مملكة أبيه حصلت حروب بينه وبين أخيه الملك الأفضل استولى فيها على دمشق؛ لوحشة جرت بينهما، وكان العزيز حسن السيرة حميد الأخلاق، وإنما كان ضعيف الرأي حتى إن جماعة من أمراء مملكته وأعيانها أشاروا عليه بهدم الأهرام الكبيرة؛ لزعمهم أن بها دفائن وكنوز، فأصدر أمرا بهدمها، فجمعوا لذلك العمال وصناع اللغم، وجعل عليهم بعض الأمراء، وأقاموا على ذلك ثمانية أشهر، وكان لا يمكنهم إلا خلع حجر أو حجرين في اليوم، فكف عن هذا الأمر بعد أن صرف عليه أموالا جسيمة، وكان ذلك سنة 593ه/1196م، وفي سنة 594ه/1198م منع ما كان يحصل في موسم خليج القاهرة، وكان الناس قد اعتادوا على ذلك من القديم، فعظم الأمر عليهم وحصل الاضطراب، حتى هموا بخلعه والخروج عن طاعته لولا أن بلغهم خبر موته، وذلك سنة 595ه/1199م ودفن بتربة الإمام الشافعي.

الملك المنصور بن الملك العزيز

وبموته اشتدت الفتن؛ لأنه عهد لابنه الملك المنصور وعمره تسع سنين، فقام بأمور الدولة بهاء الدين قراقوش الأسدي (عبد خصي) الأتابكي، فاختلف عليه الأمراء وكاتبوا عنه الملك الأفضل علي، فقدم من «صرخد» واستولى على الأمور، فلم يبق للمنصور معه سوى الاسم، وولد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه في ذلك الوقت، أي سنة 596ه/1200م، وأراد الأفضل أخذ دمشق من عمه الملك العادل، فجهز الجيوش إليها، وحصل بينهما وقائع تمت بهزيمة الأفضل، فدخل العادل مصر وأعاد الأفضل إلى صرخد، وقام بكفالة المنصور ثم خلعه وحبسه بالقلعة حتى مات، واستبد بسلطنة مصر وبلاد الشام، وأخرج المنصور وإخوته من القاهرة إلى الرها، وأخذ في تدبير مملكته، وأعلى شأنها بمحاربة أعدائها والدفاع عنها، وكان جسورا صبورا على الأهوال حليما كريما جزيل العطاء، ومات سنة 615ه/1218م.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٨٥