تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 454ه أي سنة 1062م حصلت فتنة بين الأتراك والعبيد كانت سببا في خراب الأقاليم المصرية، وسببها أن أحد الأتراك قتل عبدا وهو سكران، فاجتمعت العبيد وقتلوه، وبلغ ذلك الأتراك فاجمعوا على مقاتلة العبيد، وتقابل الفريقان في كوم الشريك «بمديرية البحيرة»، وحصلت وقعة انهزم فيها فرقة العبيد، فشق ذلك على والدة المستنصر؛ حيث إنها قد كانت السبب في كثرة جموعهم بمصر بشرائها لهم، حتى بلغ تعدادهم نحو خمسين ألفا، وقد أمدتهم في تلك الوقعة سرا، وكانت قد تحكمت في الدولة ونفذت كلمتها، وحثت على قتال الأتراك، فوقعت الفتن ثانيا بين الطرفين آل أمرها إلى وقعة بالقرب من الجيزة، وانهزم فيها العبيد أيضا، وفروا إلى الصعيد وذلك سنة 459ه/1066م، فازدادت قوة الأتراك بمصر واستخف رئيسهم ناصر الدولة حفيد ناصر الدولة بن حمدان بالخليفة، وصاروا يطلبون منه أموالا حتى نفذ جميع ما في الخزينة والتزم ببيع ما عنده، وبعد ذلك سار ناصر الدولة إلى الصعيد لقتال العبيد، فقتل منهم خلقا كثيرا، وعاد إلى القاهرة واستبد بسلطنة مصر، حتى دخلت سنة 461ه فثقل مكانه على الأتراك فاجتمعوا جميعا على عزله، فأمره الخليفة بالخروج من القاهرة، فخرج إلى الجيزة ثم عاد ليلا، ودخل دار القائد تاج الملوك شادي، وترامى عليه فقام لنصرته، وحصلت وقعة عظيمة بينه وبين عسكر الخليفة، فانكسر فيها ناصر الدولة وفر إلى البحيرة، وكثر النهب واشتد الغلاء حتى أكل الناس الجيف، وقطعت الطرق، وكثر القتل فيها إلى أن دخلت سنة 463ه أي سنة 1069م. فجهز الخليفة جيشا لقتال ناصر الدولة، فانهزمت عسكر الخليفة واستولى ناصر الدولة على الوجه البحري وخطب باسم الخليفة القائم بأمر الله العباسي، ونهب أكثر الوجه البحري، فعظم البلاء واشتد القحط وكثرت الموتى، فاضطر الخليفة إلى مصالحة ناصر الدولة بمال يحمل إليه، وبعد قليل وقع الاختلاف بينهما فأتى ناصر الدولة وحاصر القاهرة ونهبها ورجع إلى البحيرة، ومكث هذا الغلاء سبع سنين، وخربت الفسطاط والقطائع.

ولما رأى الخليفة ضعفه واستيلاء ناصر الدولة على مصر والعبيد على الصعيد كتب إلى أمير الجيوش محمود بدر الجمالي الأرمني، واستدعاه من عكا لقمع أرباب الفتن. وفي ذلك الوقت فطن لأمور ناصر الدولة حموه المدعو إيلدكوز، فاتفق هو وجماعة على قتله، وقصدوا داره فخرج إليهم مطمئنا بقوته، فضربوه بسيوفهم حتى قتلوه وأخذوا رأسه، وقتلوا أخاه فخر العرب، وقتلوا جميع بني حمدان بمصر، وأتى بدر الجمالي لما استنجده الخليفة من الشام إلى دمياط، وانحدر جهة الجنوب وسار حتى وصل قليوب، فأمر أمير الجيوش بدر الجمالي أمراء الترك بالقبض على «إيلدكوز» فأجابوه لطلبه، وبعد ذلك عزمهم في وليمة وقتلهم جميعا، ومن ثم صار بدر الجمالي مهابا محترما، وصارت له الكلمة النافذة على مصر، فقلده الخليفة بأمير الجيوش، وأخذ في قمع أرباب الفتن بعد أن قتل إيلدكوز، وشرع في إحياء التمدن، ونشر العلوم التي اندثرت مدة تلك الحروب الداخلية، ومنع الضرائب السنوية مدة ثلاث سنين عن سكان المدن والأرياف؛ لينصلح بذلك حال الأهالي، ولم تحصل بمصر أمور مهمة في مدته سوى إغارة أمة التركمان تحت قيادة «أتزيز» الذي استولى على القدس ودخل مصر ووصل إلى القاهرة، فقام أمير الجيوش وطردهم ومزقهم كل ممزق واقتفى أثرهم إلى أن أدخلهم أرض الشام، وهناك مات رئيسهم «أتزيز»، ومات أمير الجيوش في سن الثمانين، وحكم مصر مدة 20 سنة، ونشر العلوم وأوسع نطاق التجارة والزراعة والفنون، وله آثار عظيمة باقية إلى الآن؛ منها باب زويلة وباب الفتوح وباب النصر، ومات المستنصر سنة 1094م أي سنة 487ه، وكان ضعيف الرأي متكاسلا، ومن ثم قاسى أهوالا جسيمة ، مع أن آخر حكمه عادت مصر لبهجتها القديمة أي لما كانت عليه زمن الفراعنة، ثم أخذت بعده دولة الفواطم في الاضمحلال شيئا فشيئا.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٨٣