تولى محمد الإخشيد نائبا على مصر من جهة الراضي بالله، وقبل ذلك تولى مدينة الرملة من قبل المقتدر، وأقام بها إلى سنة 318، ثم جاءته أوامر الخليفة بولايته على دمشق، واستمر واليا عليها إلى خلافة الراضي بالله، فأمره بالولاية على مصر والشام، واستقر بها فطمع في ثروتها سنة 323ه الموافقة سنة 935م، ثم جرد له الراضي جيشا تحت قيادة أبي الفتح بن جعفر لخلع الإخشيد، فوقع بينه وبين أبي الفتح عدة وقائع انتهت بهزيمة أبي الفتح، فصار الإخشيد من وقتئذ سلطانا، وفي سنة 328ه الموافقة سنة 940م استولى ابن راتق على الشام، وطرد بدرا نائب الإخشيد، وبلغ العريش يريد مصر، فأرسل إليه الإخشيد جيشا مع كافور أحد مواليه، فانهزم كافور فخرج إليه الإخشيد بنفسه، وجرى قتال شديد آخره انهزم ابن راتق إلى دمشق، ثم جهز الإخشيد إلى ابن راتق الجيوش مع أخيه، واقتتلوا فانهزم عسكر الإخشيد وقتل أخوه، فأرسل إلى ابن راتق يعزي الإخشيد في أخيه، ويقول: إنه لم يقتل بأمري، وأرسل ولده مزاحما وقال: إن أحببت فاقتل ولدي به، فخلع الإخشيد على مزاحم المذكور، وأعاده إلى أبيه، واستقرت مصر للإخشيد والشام لابن راتق. وفي سنة 330ه الموافقة سنة 942م استولى ابن البريدي على بغداد، وهرب ابن راتق والخليفة المتقي إلى جهة الموصل، ونهب ابن البريدي بغداد ، ولما وصل المتقي وابن راتق تكريت كاتبا ناصر الدولة ابن حمدان ليستنجدا به. وقدما الموصل فخرج عنها ناصر الدولة إلى الجانب الآخر، فأرسل المتقي إليه ابنه المنصور وابن راتق فأكرمهما ناصر الدولة، ولما قاما لينصرفا أمر ناصر الدولة أصحابه، فقتلوا ابن راتق. ثم سار ابن حمدان إلى المتقي، فخلع عليه الخليفة المذكور وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقبه سيف الدولة، ثم سار المتقي وناصر الدولة إلى بغداد، فهرب عنها ابن البريدي، ودخل الخليفة واستقر بها، ولما بلغ الإخشيد قتل ابن راتق سار إلى الشام واستولى عليها وضمها إلى الديار المصرية، ومات الإخشيد بالقدس سنة 334ه الموافقة سنة 946م، وتولى بعده ابنه أبو القاسم الملقب بأبي الحور، واستولى على الأمر كافور الإخشيد لصغر سنه، ثم سار إلى مصر بعد موت مولاه، فسار سيف الدولة إلى دمشق وملكها، فتوجه كافور إلى دمشق وأخرج سيف الدولة، ورجع كافور إلى مصر بعد أن ولى عليها بدرا الإخشيد، فأقام سنة ثم ولاها لأبي المظفر بن طغج، وسيف الدولة حلب.
وفي مدة أبي القاسم ولد الإخشيد هجم ملك النوبة على مصر وزحف لغاية أسوان، فقام كافور وهزمه، واقتفى أثره لغاية قلعة أبريم التي هي على بعد 50 فرسخا من أسوان، ولما مات أبو القاسم أخلفه أبو الحسن أخوه، وفي مدته حصل قحط بمصر استمر تسع سنين، وعند وفاته انتقلت الشوكة إلى كافور، وفي عصره استولى عسكر الفاطميين على الفيوم، وهجموا عليه ونزعوا منه أغلب بلاد الصعيد، ومات سنة 968م الموافقة سنة 357ه، وكان كافور أحد أرقاء محمد الإخشيد، فلما اشتهر بالسياسة والعدالة قلده مولاه قيادة الجيوش المصرية، ومدحه المتنبي الشاعر المشهور، ثم هجاه وهرب إلى بلاد العجم ومات هناك، وتوفي كافور بعد أن تصرف سنتين، وتولى بعده أبو الفوارس سنة واحدة، وبه انتهت دولتهم كما سيأتي، ومدة حكمهم 43 سنة وكسور. (9) ابتداء ملك العلويين أو الفاطميين
قد علمنا فيما سبق أن زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب وفد على مصر زمن الخليفة المقتدر بسبب ظهور شيعة العلويين؛ لأن الدعاة بالمغرب كانوا يدعون إلى محمد والد المهدي، وكان بمدينة سلمية «بالمشرق»، فلما توفي أوصى بالخلافة بعده لابنه عبيد الله المهدي وأطلعه على حال الدعاة، وكان ذلك في أيام الخليفة المتقي، فطلب الخليفة عبيد الله، فهرب هو وابنه أبو القاسم الملقب بالقائم وتوجها نحو المغرب، ثم ورد إلى عيسى النوشي عامل مصر كتاب الخليفة بطلب المهدي وابنه، فجد المهدي وقدم طرابلس الغرب، وكان قبل ذلك بقليل قدم مصر زيادة الله الأغلبي كما تقدم ذلك، فأرسل إلى اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة بالقبض على عبيد الله، فهاداه المهدي على أنه تاجر، فأرسل إليه زيادة الله يقول له: إن هذا هو الذي يدعو أبو عبد الله الشيعي إليه، فحبسه ابن مدرار بسجلماسة «من أعمال طرابلس الغرب»، فقدم الشيعي وحاربه، فهرب ابن مدرار ودخل الشيعي المذكور سجلماسة، وأطلق المهدي وابنه من الحبس ثم جدوا في طلب اليسع بن مدرار، وأحضروه بين يدي المهدي فأمر بقتله، وسار حتى وصل إلى «رقادة» فدون الدواوين وبعث العمال إلى سائر بلاد المغرب، وزال بالمهدي ملك بني الأغلب وبني مدرار وبني رستم من «تاهرت»، وباشر المهدي الأمور بنفسه، ولم يبق للشيعي ولا لأخيه أبي العباس حكم فحقدا عليه، فطلبهما وقتلهما سنة 296ه الموافقة سنة 908م، وبنى المهدي مدينة مهدية «بتونس» وجعلها دار مملكته وقاعدة سلطنته، وذلك سنة 303ه الموافقة سنة 914م. والفاطميون ينسبون أنفسهم إلى فاطمة الزهراء كريمة رسول الله